من وثائق بلاد أولاد نايل (04) … ملاحظات عن التاريخ الديني لقصر المجبارة!!

التعليم القرآني المجبارة، التراث العربي الهلالي الإدريسي، الجلفة، أولاد نايل، Ouled Nail

بن سالم المسعود

الوثيقة التي بين أيدينا اليوم هي رسالة من الشيخ الإمام سي عطية مسعودي (1900-1989) إلى الشيخ الإمام الحاج “محمّد الشيخ بن محمود” المشهور بـ “سي محاد الشيخ”، وقد منحنا الوثيقة حفيده الأستاذ الدكتور برابح محمد الشيخ مشكورا مع إفادة شفوية موجزة عن حياة الجدّ.

الإمام سي محاد الشيخ مولود سنة 1889 وتوفي سنة 1982 عن عمر ناهز 93 سنة بعد أن قد قضى حياته مجاهدا بالعلم منافحا عن الدين واللغة العربية.

سي محاد الشيخ درس مثل أترابه فحفظ القرآن وتدرّج في زوايا دائرة الجلفة ثم انتقل إلى الهامل أين واصل تعليمه بزاويتها وبعدها قفل راجعا إلى بلاده معلّما وإماما. فدرّس بزاوية سيدي لولرباح ثم رّس وأمّ الناس بجامع قصر المجبارة سنوات ونتيجة لمواقفه الصلبة ضد المحتل الفرنسي تعرض للتضييق بالمجبارة من السلطة الكولونيالية فخرج إلى البادية ليواصل رسالته التي نذر نفسه لها.

والتضييق على ممارسة شعائر الدين الإسلامي والتعليم القرآني بمنطقة الجلفة معروف في عهد المحتل الفرنسي على غرار سائر مناطق الوطن. غير أنه في القصور والبلدات أخذ طابعا خاصا وهو ما رأيناه في تحقيق تاريخي عن مدينة الجلفة ومنع بناء أي مسجد داخل أسوارها حتى سنة 1916 وخارج أسوارها مُنع بناء المساجد حتى آفريل 1877. ونفس الأمر بالنسبة لحاضرة مسعد التي كانت أول قصر استهدفته سلطة المحتل ببناء مسجد الراس من أجل نزع الرمزية التاريخية عن المساجد التي نزل بها المقاومون من أمثال الشيخ سي بن عياش (ت 1852) أو الشيخ موسى الدرقاوي (1796-1849) الذي أسس مسجدا وزاوية جهادية سنة 1831 بمسعد أو الأمير عبد القادر أو أحمد بن الطاهر الزموري أو غيرهم.

ما وقع بمسعد والجلفة هو نفس الأمر بالمجبارة التي تأسست كقصر بنهاية القرن الثامن عشر بمسجد ولها زاوية المحاجبية العتيقة المؤسسة حوالي سنة 1800 للميلاد أي في العهد العثماني. وقد نزل بها المقاوم الشيخ بومعزة في شتاء 1847 فهاجمها الجنرال ماري مونج وهدمها في شهر فيفري من تلك السنة … ولهذا فإن التضييق على الشيخ بن محمود من طرف المحتل الفرنسي كان يحمل في لبّه منع تشكّل أي مرجعية دينية … ليرفع الشيخ بن محمود التحدي ويؤسس زاوية تحت الخيمة.

وفي المكان المسمى “الضويّات”، غرب جبل تفارة في الإقليم الذي يتوسط قصري المجبارة وزكار، نجد الشيخ سي محاد بن محمود ينشئ زاوية شبه قارّة فاستأمنه البدو الرحل على أبنائهم ليعلّمهم ويؤدبهم. وهكذا استقرت الزاوية يقوم على شؤونها الشيخ سي محاد وقد وصل تعداد طلبتها إلى أربعين طالبا يقيمون بخيمتين كبيرتين بجانبهما خيمة الشيخ وأهله الذين يخدمون شؤونهم اليومية وشؤون الطلبة.

ويُروى أنه في مواسم الإنتجاع نحو التل كان البدو يتركون أبناءهم ليتعلموا بزاوية الشيخ سي محاد الذي لم يعد لهم معلما ومؤدبا فحسب بل صار الأب الذي يطعمهم ويكسيهم ويؤويهم … فصارت زاويته تجمع خصائص زوايا بلاد أولاد نايل المتنقلة أو تلك الموجودة في القصور. ويُضاف إلى هذه المكانة العلمية أن الشيخ بن محمود قد حجّ إلى بيت الله الحرام عبر البحر سنة 1956 ليرجع بزاد روحي ومعرفي من بلاد الحجاز جعله في الصفوف الأولى للمدافعين عن هوية الأمة.

رسالة مفتي الجلفة الشيخ سي عطية إلى الشيخ الإمام “سي محمد الشيخ بن محمود” قد جاءت بعد الإستقلال ولا ندري بالضبط تاريخها ولعله كان في السنوات الأولى بعد الإستقلال مباشرة.

ولأن أهل المجبارة قد عرفوا قيمة الشيخ بن محمود وجهاده في سبيل الدين والوطن فإنهم قد استقدموه إلى المسجد مباشرة بعد استرجاع الحرية سنة 1962 فاعتلى الشيخ سي محاد المنبر كأول إمام يلقي الجمعة بهذه البلدة ويبقى فيها معلما ومدرسا وإماما وعينا من أعيانها إلى أن توفي سنة 1982، رحمه الله.

وخلال هذه السنوات القليلة بعد 1962 كان الشيخ بن محمود يتراسل مع العلماء من داخل وخارج القطر الجلفاوي وكان يتوافد عليه الأئمة والطلبة وجموع المواطنين ليتفقهوا في دينهم. وكان سي عطية رحمه الله لا ينزل إلى المجبارة أو يمر بها إلا وقد وفد على صديقه الشيخ بن محمود ولطالما قال فيه “هذا الرجل صاحب سر”.

ولم تكن العلاقة بين الإمامين سي عطية وسي بن محمود مجرد علاقة بين أي فقيهين بل إنها قد تعدت إلى الجوانب الأدبية الشعرية وهو ما نجده في الرسالة التي يلحق بها “أرجوزة مخمسة في الإستغاثة بالله” وسننشرها بحول الله حالما تتوفر لنا.

التعليم القرآني المجبارة، التراث العربي الهلالي الإدريسي، الجلفة، أولاد نايل، Ouled Nail

التعليم القرآني المجبارة، التراث العربي الهلالي الإدريسي، الجلفة، أولاد نايل، Ouled Nail

 103 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *