من شعراء البوادي في منطقة الجلفة

الشاعر بهناس محمد، التراث الشعري، أولاد نايل، التراث العربي الإدريسي الهلالي، الجلفة، Ouled Nail

بهناس محمد

الكثير منّا يردّد البيتين التاليين:

بونــادم للــكــاتبة يقدى بالــــذّات .. اذا ما جاتو شورها يقدى عـاني
المكتوب يسوق واسباب القدرات .. شوف الخبـــزة فمها وين ادّاني!

من صاحب البيتين؟ وما مناسبتة القصيدة التي تضمّنت البيتين أعلاه؟ … إنه الشاعر بن دركوش بلقاسم بن أحمد (الركيزة) رحمهما الله.

روى لي الراوي إسماعيل بن خيرة (م 1971 حاسي بحبح) أنه في سنة 1991 وبينما هو في المكان المسمّى “رويس زينب” بمنطقة حاسي العش رأى رجلين تائهين في الحماد البعيد، فاتّجه نحوهما ليستقصي أمرهما، فكان له ذلك. عرف أن أحد الرجلين هو الشاعر بلقاسم بن دركوش، وكان رجلا سبعينيا، برفقة أخيه الذي يصغره، وقد جاءا باحثين عن قبر أبيهما المدفون في مقبرة رويس زينب، وفهم أنهما أقاما وأهلهما في الموضع هنا في ثلاثينيات القرن الفارط، ولما مات أبوهما دفن في المقبرة المذكورة آنفا، وارتحل الأهل فيما بعد إلى صحراء مسعد، فهّزه الشوق إلى قبر أبيه فقصده زائرا، ثم روى له الشاعر قصيدة وجدانية قد نظمها وهو في فرنسا أثناء مرضه اشتياقا إلى أبيه المكنّى بالركيزة، وإلى أمه وصحرائه كلّها.
قبل ذلك أذكر أبياتا كان قد رواها لي الشاعر والراوية أحمد خوني (1941 أم العظام) من قصيدة نظمها الشاعر بلقاسم وهو في رحلة الذهاب إلى فرنسا تقول:

صابح من سوق الثـــلاثا فزّينا .. قاصــد شور فرانسا ما شفناها
ربي سيدي يعجل الخطرا زينة .. الشايب شاورناه والقلب شتاها
اتبــقّى بالخـــير واتهــــلى فينا .. وباقي دعوة خير منك نســعاها
دهمـــــينا فيــلاج بحبح مركينا .. والمشّــــــينا سايرة حس زقاها
جبل القلتة في الطـريق ادّربينا .. ومول الحدبة صحرتك شقّيناها

إلى أن يقول:

ضرك صفينا للدزاير ولحقنا .. وابن الثعلابي بلادك زرنــــاها
ع الوحدة بابور جا متلاقـــينا .. قاصد باري لالجيري خلّاهـــا
حليلي نا والشيخ ما صاير فينا .. قلوب الكفرة والحجر شفّيناها

لله يا شيفور ما لاقت صبرة .. حال الغربة ياك عارف مولاها!

في هذه الأبيات يتبيّن لنا مدى الإرتباط الشديد للشاعر بأبيه، دونا عن الأهل جميعا:

(اتبــقّى بالخـــير واتهــــلى فينا .. وباقي دعوة خير منك نســعاها)
(حليلي نا والشيخ ما صاير فينا .. قلوب الكفرة والحجر شفّيناها)

وقد ذكر لي الراوية خوني أحمد أن الشاعر بلقاسم بن دركوش مرض في فرنسا وطال به المرض (حوالي ستّة أشهر) فنقل إلى المستشفى ونظم قصيدته التي هي موضوع حديثنا.
وبالعودة إلى الراوي إسماعيل بن خيرة فقد حدّثني أنه تأثّر بالقصيدة وسجّلها في دفتره وحفظها وكان أن سلمني منها نسخة ورقية، وهي ذي القصيدة أمامنا:
إيمانا بالقدر يبتدر الشاعر قوله:

بونــادم للــكــاتبة يقدى بالــــذّات .. اذا ما جاتو شورها يقدى عـاني
المكتوب يسوق واسباب القدرات .. شوف الخبـــزة فمها وين ادّاني!

ويردف مخاطبا حظّه:

صوّرلي ميمون دايم كل اوقات .. يا سارح قسّـوم دون العرباني
يا ربي يا خـالقي ليك الهــربات .. انهي عني ذ الشّـــماتة عيّاني
ولّا راني نقبـضو ياخــذ بزقات .. ونورّيلو صرحتي طول زماني
قلت اليـوم نسلّكو في ذ الربقات .. يتمـــنّح ويقـــول ربي سعّاني
انت ذ الميمون ما عندك قدرات .. كلّش بامر الله ذاك الحقّـــاني
زاد تنوّى كي سمع هذ الكلمات .. كي داوستو للسبيـــطار ادّاني

في المشفى:

نلقى قـــدّامي طبيــب وروميّات .. على رمشات العين رايسهم جاني
في الذرعة لثنين دارولي يبرات .. زادو هلكــــوني تفكّرت محـــاني
الشافي ربي والنصارة قا سبّات .. هو حـــاكم لحكــام غيرو لا ثاني
يا ربي بابا بعــدني ع الخطوات .. وانا قلبي ما صبـــر ما هنّـــاني
خفت نموت ومانشوفش بو لبّـات .. ما رحت شوارو وهو ما جاني

مناجيا والده:

أبّي عيني ذ البحـر دونك كودات .. بحر الظلمة زاد غيمـــو نـوّاني
لا طيّـــارة تعقبو لا ســــومارات .. لا بابور يشــرّكو يا تشطـــاني
بيا نمشي ذ البحـر ناخذ خطوات .. خايف ندخل غامقـــو راه ادّاني
هذا البحــر معاه ما تاكل فكرات .. يا قلبي دير الصبر في الدخلاني

مستجديا من يرسله في رحلة نفسية وواقعية في آن:

لا ترّاس انّوضو يقدى بالــذات .. يسمّع لطرش يخْبـرو كيــما راني
يقلّو ولدك راه في ضيق الشدّات .. اطلب ربي يرحمو يا شيـــباني
..
حنّـــو قلبي راه دمّق يا ســـــادات .. حب الوالد راه مشعال كــواني
دايم نارو ساكنة في الجوف رقات .. في الكبدة مشعال لاهب كوّاني
توحّشت اللي كان مفلاه الصحرات .. لي يرتع واد الرتم للضرباني
من الســــافل للحنن للمقــــــرونات .. انيـــــاقو رباو عنها حيـراني
..
الصحـــرا بالواد ميّزها صمــدات .. عشبتـــها مالــو كلاها قيـــواني
ايميّز طرف الطريق ضيافو جات .. والا جاه الضيف يخرج حفياني
يتعشّى لحم القصـــيب مع فكرات .. يتكرّم بالجــــود ماهو بخـــلاني
راح يحـــوّس تبّعـــوه سلـــوقيات .. ومكــــاحل زينين بالحب ثماني
الراس العـــالي فيه دارولو لبدات .. دخّـــان الجعـــبة برهجو نوّاني
ملح القوم ابّي ركب ثاني عودات .. اجـــريدي حوليه والخيط مقاني
سهمو سبعة لا حضرلك في الزازات .. واذا زدت عليه يتقص لساني
يا حسراه على زمان ودهر ان فات .. ماذا شاف نزوه في الدهر الفاني
كي نتفكّـــر يحرقو عيني دمعــــات .. تبكي عيني ع الحبيب الحقّاني
من السوق يجيبلي غالي السومــات .. مـــاذا بابا ع الحـــوايج شهّاني
ملّخــلي صبّـــاط مرقـــوم النفــدات .. وعلى كتفــو هزني يا شوماني
طعّمــلي بيدو الدقلة وقمـــــوسات .. حليب النعجة والخلف نشرب ثاني
وصّلني ربي وهو لذي الدرجـــات .. دار الخيـــر مع الميــمة ربّـــاني
لمّيمة من صدرها نشرب قــــرّات .. البــــــزّول اطعّمو بين اســــناني
تسع شهر في كرشها في كل اوقات .. كنت صغير وشوف ضركا ورّاني!

اختتاما يعلن الشاعر انتهاء بيانه مبادرا الجميع بالشكر في قوله: “صحّيتو” ومكتفيا بما هو فيه وعليه:

يا جمـــاعة كلمتي ضرك انتـــاهات .. صحّيتـــو جميع وانا بركـــاني

إذن مناسبة القصيدة هو الحنين إلى الأب، ونادرة هي القصائد التي تحمل هذه التيمة، وورود لفظ الركيزة هنا هو نسبة إلى أبيه أحمد، وكنّي بهذه الكنية لأنه ـ حسب رواية إسماعيل بن خيرة ـ وحيد أبيه بين أخواته البنات، فكان بمنزلة الركيزة الأساس في بيت العائلة، ولم يخف شوق ابنه إليه من خلال فضفضته الشعرية:

( يا ربي بابا بعدني ع الخطوات …
( خفت نموت ومانشوفش بو لبّـا…
( يسمّع لطرش يخْبـرو كيــما راني …
( حنّـــو قلبي راه دمّق يا ســـــادات .. حب الوالد راه مشعال كــواني
( توحّشت اللي كان مفلاه الصحرات …
( ملح القوم ابّي ركب ثاني عودات …

ـ من خلال القصيدة أعلاه يمكننا أن نسجّل أهمّ المواضع التي ذكرها الشاعر:

( الرتم / الضرباني / السافل / الحنن / المقرونات / الملعب لزرق .. )

هذه أسماء مواضع ومعالم (المقرونات) لبادية الشاعر وكلها تقع جهة القبلة من مدينة مسعد، في المنطقة المعروفة بالسافل.

لغة القصيدة بدوية طبيعية، على البحر العشاري، أو كما نقول: بوحرفين، اعتمد فيها على حرفي التاء والنون. في صدر البيت جاء حرف التاء مسبوقا بألف ممدودة: سادات / صحرات / خدمات … وهذا ما منح الشاعر متنفسا وهو يلقي بكلماته بشكل تأوهات. بينما اعتمد في عجز البيت على حرف النون المكسورة: كوّاني / شقّاني / نوّاني … وكما هو ملاحظ أن حرف النون حرف حميميّ ويعبّر تماما عن وجع وانكسار وألم القائل.

صورها بسيطة ووجدانية وقريبة إلى المتلّقي، نذكر قوله مثلا: “واذا زدت عليه يتقص لساني”، وهي عبارة عامية وقد أراد القول: إن أنا بالغت فلكم أن تخرسوني بقطع لساني. وقوله: “إذا جاه الضيف يخرج حفياني”، أي أنه بمجرد أن يطلّ عليه الضيف فلا يجد حتى الوقت لانتعال نعله فيهرع حافيا إليه: محبّة وجودا وكرما، وكأن الشاعر أراد إخبارنا بإن أباه كان كريما بالفطرة في قوله: “يتكرّم بالجــــود ماهو بخـــلاني”.

شرح بعض المفردات:
يقدى: من الغدو، أي معنى غاد، سار غدوة.
شوارها: ناحيتها
قسّوم: منحوتة من اسم الشاعر بلقاسم.
بولبّات: أبو اللبؤات
كودات: عوائق
تشركو: تشقّه
يا تشطاني: كلمة للتحسّر
ترّاس: رجل يعوّل عليه
دمّق: احترق وصار رمادا
يرتع: يقيم

ملحوظة:

* حسب روايتي إسماعيل بن خيرة ومسعود حبشي يرّجح أنه ولد في عشرينيات القرن المنصرم، وتوفي في حدود سنة 2005
* الأبيات الأولى من قصيدة رواية الراوية خوني أحمد، مواليد 1941، أم العظام
* القصيدة الثانية وأخبار الشاعر رواية السيد بن خيرة اسماعيل، مواليد 1971، حاسي بحبح

 37 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *