مآثر أولاد نايل … رجل فرّج على امرأة وتصدق على زاوية ففتح الله عليه!!

مآثر أولاد نايل، الجلفة، الحاج عيسى بن دادي، أولاد أم الإخوة، حكايات، تراث عربي هلالي إدريسي، Djelfa، Ouled Nail

سعد بلخيرات/ حميد بلخيرات/ بن سالم المسعود

تزخر منطقة الجلفة بحكايات عن الإيثار والكرم ورفع الظلم ومساعدة المكروب … وحكايتنا اليوم وقعت في فترة عسيرة تميزت بانتشار الوباء والقحط والمجاعة خلال الفترة من 1919 إلى 1921 من القرن الماضي. ولعل الحرب العالمية الأولى قد زادت من وطأتها بسبب نهب فرنسا لخيرات الجزائر وتوجيهها إلى جبهات القتال بأوروبا وقبلها صدور قانون التجنيد الإجباري سنة 1912 …

الحكاية نقلناها عن ثلاث مصادر مختلفة ومتواترة اتفقت جميعها حول مسرح القصة وهو قصر مسعد وصحرائها وإحدى أسواق منطقة واد ريغ. كما اتفق الرواة حول بطل القصة ألا وهو شخصالحاج عيسى بن دادي 1897-1978” المعروف بكونه من فرقة أولاد بوخلط وهو من أعيان عرش أولاد أم الإخوة.

 اتسمت فترة الوباء بتزامنها مع الحرب العالمية الأولى وانتشار الأمراض وأخطرها آنذاك “الحمى الصفراء أو التيفيس” … وفاقم الوضع وقتها قلة اليد وفقدان المُعيل للكثير من الأسر إما بسبب الوفاة أو التجنيد الإجباري. ونتيجة لفداحة المعيشة استغل التجار اليهود هذا الظرف لممارسة الإحتكار والمعاملات الربوية والرهن … وقد كان قصر مسعد مقصد البدو الرّحّل والسكّان القارّين من أجل التقوّت فوجد اليهود ضالّتهم في الناس المضطرة لبيع أو رهن أغلى ما تملك … ولعلّ من هؤلاء الصاغة اليهود بمسعد ممن وُثقت أسماؤهم لاحقا سنة 1949 نذكر “عطية ابراهيم” و”كاسبي فيليكس” و”لالو الباز” و”زينو داود” …

دخل الشاب “عيسى بن دادي” سوق مسعد لإحدى مآربه وعرّج على محل صائغ يهودي فوجد هناك امرأة من قبيلة أولاد طعبة بصدد رهن “مَدْوَر” وهو قطعة حلي ذهبية مما اشتهر بإتقان صنعها “المعاليم” وهُم حرفيو بلاد أولاد نايل في هذا الميدان … وكان عهد النساء أن قطع الحلي عزيزة وترثها من أمها يوم زفافها وتورّثها ابنتها وهكذا من جيل إلى جيل … كما أن الشعراء لطالما تغنّوا بحلي النايليات وهاهو منهم، سنة 1942، الشاعر محمد بن شبيرة الريغي  (1865-1957)، وقد عاصر قصة الحاج عيسى بن دادي والسيدة الطعبية، يقول:

صبّاط أحمر والخلاخيل تنڨمر *** و رديف آخر ينڨحوا في بعضاهم

نعت عرايس في المرادس تردّس *** سرج المَحبَس والحدايد ما اضواهم

بنات الرڨاد جبّارات الواد *** تاڨوا من لبعاد بانوا ما اعلاهم

خرجوا نعت الحور عنهم لاح النور *** شاعرهم مستور مقبول دعاهم

أمام هذا الرصيد عن حلي المرأة النايلية وقفت تلك السيدة الطعبية المحتاجة بين يدي الصائغ اليهودي الجشع وقبالتهما وقف الشاب “عيسى بن دادي” يرقب عن كثب هذا المنظر الرهيب لفريسة العوز والحاجة … كان أجل فكّ رهن “المَدور” قد حلّ ويبدو أن صاحبته قد جاءت تترجى اليهودي للتمديد وهذا الأخير قد رفض بشدة … نظرت السيدة إلى “المَدوَر” نظرة وداع وسقطت دمعة على على خدّها وتنهّدت قائلة “روح يا مدوري بالعافية” … فانفطر قلب الشاب عيسى لهذا الموقف وشعر بأن كلام المرأة هو بمثابة صرخة استغاثة فتحركت حميّته وثارت نخوتُه نحو هذه الأم الثكلى وهو الذي تربى يتيم الأب ويعرف ما تعانيه الأم في سبيل رعاية أبنائها …

تقدّم الشاب عيسى نحو التاجر يسأله عن ثمن فك الرهن … ثم دفع الثمن واستردّ المَدور وسلّمه لصاحبته وقال لها “هاكي مدورك … واذا وسّع الله عليك وفرّج كربك اسألي عني أنا عيسى بن دادي من أولاد أم الإخوة … ولا تثريب عليك إذا لم يكن عندك المال والله يسمح” … وهكذا خرج صاحبنا من مسعد وهو لا يملك سوى نصف مال تجارته.

هنا لم تنته القصة … بل سيأتي ماهو أعجب حول إيثار هذا الشاب  …

كان ثمن فك رهن مدور السيدة الطعبية هو نصف ما يملك الشاب عيسى وكان قد نزل بمسعد ليتخذها منطلقا ضمن قافلة تجارية لأولاد نايل نحو بلاد واد ريغ بنيّة اقتناء التمور … وفي الطريق مرّت القافلة بمضارب زاوية “سي الصادق الناجوي، وهي زاوية متنقلة تأسست بنهاية القرن التاسع عشر وتوفي شيخها المؤسس سنة 1927 … وصلت قافلة التجّار الى مضارب هذه الزاوية فاستوقفهم شيخها “سي الصادق الناجوي” وحلف عليهم بالنزول ضيوفا عنده فلم يجدوا غير الإمتثال لدعوته طبقا لقوله صلى الله عليه وسلم “إذا دعاك أخوك فأجب” … 

ولأن الشاب عيسى يعرف أصول الضيافة وهو ينتمي لعائلة تنفق على الزوايا وطلبة العلم فإنه تبرّع بما بقي له من ماله للزاوية المتنقلة وطلبتها وأهل نزلتها وهو نسميه في عرفنا “عطاهم زْيارة” … فدعا له شيخ الزاوية سي الصادق دعوة سيكون لها بفضل الله شأن لهذا الشاب في المستقبل القريب وفتح في تجارته … 

ولما علم أهل القافلة بما صنعه الشاب عيسى بماله مع المرأة والزاوية لاموه أن كيف تعطي مال تجارتك لامرأة لا تعرفها فردّ عليهم قائلا “خلّوني في نيتي!!” … بل وصار صاحبنا فاكهة الطريق وسمع في طريقه من قد أزمع على أن يضاعف حمولته ولسان حاله يقول “إن إبل عيسى ستعود فارغة”.

وهاهي القافلة قد تجاوزت منطقة أم العظام وشارفت على بلاد السافل فتوقف الركْب للراحة … ولما انطلقت العير لمح الحاج عيسى صغير غزال فحمله معه ودخل به بلدة “جامْعة” … وخطف هذا الغزال أنظار أهل السوق ومنهم الحاكم العسكري الفرنسي وزوجته التي استولى الشادن على قلبها فألحّت في طلبه مهما كان الثمن وكان الحاج عيسى فيه من الزاهدين ولم يطلب مالا بل منحه للسيدة دون مقابل … فاستدعاه الحاكم الى حاميته وأمر له بحمولة من التمر ومبلغ من المال جزاء عطيّته … فكان فتحا عظيما على الحاج عيسى بأن رجع إلى أهله بدعاء الخير من ارمأة ثكلى وشيخ زاوية ومعه عطيّة ورزق وفير … ومنذ ذلك الزمن زادت تجارتُه وربت أرباحُه فصار  من أكبر تجار وأثرياء الصحراء بل وأصبح من ملاّك واحات النخيل في بلاد سوف.

ويُروى أن السيدة الطعبية قد كانت في مستوى ثقة الشاب عيسى بن دادي وأنها قد بحثت عنه ووجدته وأرجعت له ماله بعد أن فتح الله عليها … ولم يتوقف شأن الرجل عند هذا الحد من الثراء بل تعدى ذلك أن خلّدته تلك السيدة بأبيات من الملحون وهذا ما وصلنا منها:

وين هو عيسى بن دادي؟ *** وين هو الراجل لنڨر؟

وين هو عيسى بن دادي؟ *** وين هو سلاّك المَدْوَر؟

تسريد البيتين: تتساءل السيدة الطعبية هنا عن موطن الحاج عيسى بن دادي وتعطي له وصفا  شكليا بأنه رجل “أنڨر” أي يلبس الڨنور وهو عمامة كبيرة. ونجد في معجم “العين” للفراهيدي كلمة “القَنوَّر” بمعنى الشديد الرأس الضخم من كل شيء أي أن كلمة “قنور” هي في الأصل وصف للعمامة. وقد استخدمت السيدة الطعبية هذه الكلمة للدلالة على أن الرجل الذي تبحث عنه هو شخص وجيه ومن علّية القوم لأن “القنور” لا يلبسه أي كان. 

وفي البيت الثاني تعطيهم وصفا خُلُقيا حول سجية الرجل وإيثاره انقاذَها من مخالب اليهودي الذي رفض التمديد لها لفك رهن مدورها … 

بسجية الكرم والجود والإيثار الحاتمي رسم الحاج عيسى بن دادي لنفسه سيرة بهية بلغت الآفاق فذاع صيته بين قومه وصار رجلا مهابا وصاحب رأي ومشورة وكلمة مسموعة … قصة هذا الرجل معروفة ومتداولة عند الكبار في الجلفة ومسعد وصحرائها وفيض البطمة. هذه الأخيرة دُفن فيها بوصية من بطل قصتنا لما توفاه الأجل سنة 1979 بمسكنه في مسعد، رحمه الله وجعل الجنة مثوى له.

 495 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 3

  1. وفاء للشعر الابيض

    اجدتم بوكتم وننتظر القادم

  2. بن المحتاج الحاج محمد

    الله يعمرك عمارة مكة والمدينة يابن اولاد العڨون

  3. سرد خرافي !!!… حفظكم الله ورعاكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *