سيرة الشاعر علي بن النمير … وقصيدة نجع أولاد سعد بن سالم!!

gustave flasschoen, Ouled Nail, Djelfa

محمد نمير

سنسلط الضوء على جانب من حياة الشاعر علي بن المير -كما يسميه بعض المشايخ – وأدبه من خلال ما وصلنا عنه وما رواه لنا المشايخ وأحفاده وأهل الفضل وما كتبه الأستاذان عبد الرحمان وحكيم شويحة. ويعتبر هذا الشاعر نموذجا للتاريخ الثقافي والأدبي للمنطقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بالنظر إلى السمعة التي حازها لدى الكتاب الأجانب كما سنرى.

هو علي بن الطاهر بن نمير بن العالم العرباوي النائلي، أمه عرباوية لقبها سبع، وأبوه كان قائدا على أولاد سي أمحمد قبل نفيه أو انتقاله الى قصر الشلالة. ولد علي سنة 1840م بزاغز أولاد الغويني، في ظروف ميزتها الحروب والاضطرابات والغزوات. فبالرغم أنه رجل سيف وحرب إلا أنه يملك قلب شاعر حساس، كما يظهر في جل مواضيع قصائده التي غلب عليها الغزل. وقد عاش ببلدة قصر الشلالة اثر نفي عائلته. ونسب أحدهم له هذه العبارة وهناك من نسبها لوالده بعد نفيه: 

عياني ذا التل وروحي ضاقت فيه

من المتمردين على الاستعمار في المنطقة الشاعر المشهور علي بن الطاهر بن النمير، هذا الأخير مثقف باللغتين العربية والفرنسية ما يدل على تمكنه من لغة المحتل إحدى القصائد التي نسبها له “لويس سونياك قسطنطين” وفيها يتكلم عن مغامرته مع أماندا زوجة الحاكم الفرنسي.

 يعد الشاعر علي بن الطاهر بن نمير أو علي بن المير من أشهر الشعراء في  تلك الفترة  على الإطلاق، فقد تأثروا به ونسجوا القصائد على منواله. فهو سليل رجل سيف وبارود كما وينظم الشعر فأنجب شاعرا مجيدا قل نظيره من فرقة أولاد عربية فرع النميرات أو الميرات.

ومما وصلنا كذلك من أشعاره، ما رواه لي حفيده السيد علي بن البشير، وهو حفيد الشاعر مباشرة، وهي  -ثلاثية بعد أن بلغ من العمر عتيا، وتاقت نفسه لرؤية ولد يحمل اسمه بعد وفاته، فأنشأ يقول :

أنجيب طفل ونسميه لا تنسى*** ونعمرلو في الجعب خمسة خمسة

حقد عمومية وأهلو مغلولين

ولما بلغ ابنه البشير ست سنوات توفي الشاعر علي بداية العشرينات وأوصى بدفنه بالزاوية الجلالية القريبة من مدينة الجلفة. وللإشارة فقد أنجب البشير ولدين وهما: علي وهو محدثي وسبق التطرق إليه. محمد وهو الإمام المشهور بالجزائر العاصمة والملقب بالسديس الجزائري.

ومما رواه لي بعض المشايخ أن علي  بن الطاهر نبغ في مجالات  غير الشعر والحرب ومن بينها حل الألغاز  والطبابة والبيطرة  …  يحكى أنه في مدينة الجلفة طرح حاكمها لغزا فصعب حله فأرسلوا أحدهم إلى علي بن الطاهر بن النمير فأجاب هذا الأخير بمجرد انتهاء طرح اللغز مباشرة. واللغز نصه:

فوكة فوقها فوكة تحتها فوكة تبع فيها فوكة 

فكانت الإجابة من طرف علي وهي: الشاة 

 فوكة: الشاة، فوقها فوكة: الصوف، تحتها فوكة: ضرع الشاة مملوء بالحليب، تبع فيها فوكة الخروف

كما نجد أن له دراية في أمور الطبابة والبيطرة، فمن جملة ما رواه لي أحد المشايخ أن جماعة قاموا بإطلاق النار على إبل جده، فأصابوا منها سبعة بجروح مميتة لا محالة  فأرسل إلى علي بن الطاهر بن النمير فقام بتطبيبها وأنقذ خمسة منها وماتت اثنتان.

وكان أن حدثت بعض الخصومات بين أبناء عمومة علي وجيرانهم في الأرض فكان علي  يبرم أمور الصلح بينهم ويسارع إلى فك الخصومات والنزاعات. وقد كانت للشاعر علي صداقات وجولات وكان محبا للشيخ بيض الغول. هذه العائلة التي اشتهرت بزاويتها بالمنطقة وتدريسها القرآن الكريم وعلومه وخدمة الفقراء والمساكين.

وكان علي من الفرسان القلائل العظماء ورغم ذلك تلمس فيه التواضع الجم إذ يقول في احدى حد قصائده: 

ياسر من فرسان مني ڨاع اعظم

وبالمناسبة  كان على  يمتطي  أجود أنواع الخيل ،  وله حصان أزرق  لا يمتطيه غيره  لشدة ذلك الحصان وصار مضرب  للمثل  حتى قالوا “كي  عود علي بن الطاهر” وبقي هذا الحصان بعد وفاته لا يمتطيه غيره إلى أن مات. وهذا ليس بغريب فالأمير عبد القادر صديق والده الطاهر يشيد بخيول أولاد نائل ويرى بأنها أحسن وأجود الخيول. وهذا قول علي بن الطاهر في قصيدة عن حصانه وقد استعاظ فيها بكلمة فرنسية “Cheval” أي الحصان:

جيني شوفال كيّس ما هوش كيدار  *** في ساعتين نوصل قصر العاطر

وقد حدثني أحد المشايخ أن علي بن الطاهر كان يتميز بنظرة حادة، وله احمرار في عينيه، وتجعل من يحدق في عينيه يسلت بالبندقية من يده وهذه الرواية متداولة كثيرا وهي سمات في الرجل زادته مهابة وسط أقرانه وبني جيله. وعن الصيد فقد كان صيادا من الطراز الأول ويصطاد راكبا حصانه حاملا بندقيته ويطلق عليها اسم “المهبولة” كناية عن اللارجوع أو المغامرة كما يقول أهل البلاغة.

ويروى عنه أنه كان صاحب طرفة وفكاهة ويظهر هذا في احدى قصائده وله حديث شيق وطيب وعن الحديث وفن الكلام والأسلوب الذي لا يجعل صاحبه يغادر ويتلذذ ويتمتع بالكلام أن أولاد عربية تميزوا بالأسلوب الجميل في حديثهم. وتقول الرواية الشهيرة أنها دعوة الشيخ المختار ومعطى  رباني  … وهذه هي الرواية:

الطعام  غرباوي والحديث عرباوي

والسيد علي بن الطاهر من الشخصيات البارزة في فرقة أولاد عربية، وعرف بكبريائه ضد المحتل، فكان لا يلقي  بالا لأعوان المحتل ومما وصلنا أنه اصطدم اصطداما عنيفا مع الحاكم الفرنسي المعيّن على رأس الشلالة، ووصل به الحد الى أن ضربه ضربا مبرحا، وهو معروف بهكذا خرجات. 

شعره في نظر المستشرقين … وقصيدة نجع السعادات

لقد تحدث عنه المستشرق النمساوي “زفيتوسار بانتوسك 1931-2000″ في دراسته “الأدب الجزائري المعاصر” حيث قال عنه “علي بن الطاهر بن نمير، من أولاد نايل الجلفة، شاعر خصب عاش إلى بدايات القرن العشرين. كتب في أغراض الغزل وله أيضا قصائد في الحرب مثل شعراء عصره”. كما ذكره المستشرق الفرنسي إيميل دورمنغايم، سنة 1960، وقال عنه “منذ خمسين سنة كتب علي بن الطاهر قصيدة غزلية وهو شاعر خصب معروف بأشعاره الحربية والغزلية”. وله قصائد كثيرة في الوعظ والحكمة والصيد والرحلة وغيرها من المواضيع والأغراض وسوف ننشر ما توفر لنا منها بحول الله.

ويفيدنا شعره الحربي من الناحية التاريخية في أنه يوثق لمصطلحات المقاومة الشعبية المتداولة في عصرها كما يعطينا لمحة عن بعض الأدوات المستخدمة آنذاك. وقد تحصلنا على قصيدة من كتاب “الديوان المغرب في أقوال عرب افريقية والمغرب” لمؤلفه المستشرق الفرنسي “لويس سونيك قسطنطين“.

والقصيدة هي غزلية وفي نفس الوقت فيها وصف لقافلة “نجع” عرش أولاد سعد بن سالم نحو الصحراء. وقد ورد فيها وصف للبارود الجيّد والبنادق والأسلحة البيضاء والمصطلحات الحربية التي تعطينا فكرة واضحة عن الغزو والفروسية والصيد والرحلة والمقاومة الشعبية كيف كانت تتم في القرن التاسع عشر.

كما تفيد هذه القصيدة في معرفة مسارات طرق الصحراء والتي تتبعها القوافل التجارية والمقاومون وجيوش المحتل الفرنسي. وهذا ما يسمح لنا بتتبع مسارات المقاومة الشعبية فضلا عن نمط المعيشة والتجارة وغيرها من مظاهر حياة البدو الرحل.

نص القصيدة:

1ـ ساڨ يذكر نجع خاوية المحزم *** عشى المرقب للمغيد دوارو

2ـ تسمع باروده مع البكرة يبغّم *** والراڨد في النوم ذاك حكارو

3ـ ماهوش بارود الارذال محثرم *** بارود الطياڨ ساجي تكرارو

4ـ ركبوا عن صوشات واعياد تهجم *** اذا فزوا من العلفه طاروا

5ـ طبعوهم بشليل الوان مرڨّم *** وغشا في جليد ڨروح عمارو

6ـ اهل حواله سوم عدة لا توهم *** زويجة فواطى من شغل خيارو

7ـ طبعوهم بالعاج في مكاحل تفج الهم ***  والعقارب والطير واتي تسرارو

8ـ واهل دزيري ياك مشاف معلم ***  واذا طاح ياك يشعل جمارو

9ـ والسكين على اليسرى طايح مخذم ***  واتي رول مجدول فضه نختارو

10ـ داروا غيد على ثلوبه اتزاحم ***  وغلاڨ الحومه واتي تشهارو

11- يا من يعرف الاسعاد يشكر ما يذم ***  مرارة الانكار للغرب استارو

12ـ نجع الخمار على الثنايا يتلطم ***  و خليفي و احرار ما هم شي عبارو

13ـ شاوه يخرج على الرحيات يدلكم ***  غطى قاع الثـنايـا غبـارو

14ـ خذا خنڨ الزوبيه جاز يحزم ***  حط اردافات يذهب دوارو

15ـ بات مسلسل عن شايفات المقسم ***  عن خضرات المادنه شعلت نارو

16ـ يصبح ميعاده على الرايات امريزم ***  طالب القبال كيف اقضات شوارو

17ـ ورقلة عرجونها عاد يغمغم ***  دڨلة نور تجي هدايا لكبارو

18ـ ما يستدور حتى لتجال المغرم ***  والّا اوان الصيف تلڨاط اغمارو

19ـ لا يدّيه اخبار قيل وقال الوهم ***  و على واد اثار جاوه خطارو

20ـ يقولوا ذا البر في الانواء هجم ***  الارض مزخرفه و فتح نوارو

21ـ جا مستدور نجع خاثر الشوفه ***  عشى البرڨ في غناسيه يختارو

22ـ واش تمثل في نجع صافية المبسم ***  حف السيود فيه عيني حارو

23ـ يا خاوتي نجع السعادات بعدني ***  شرفات الغيد دونه يخضارو

24ـ ناسك عشّاووا في السوافل يا حبي ***  والخليل المحبوس طول ميجالو

هوامش:

Svetozár Pantůček, La literature Algérienne Moderne, Dissertationes orientales, Prague Academia

Emile Dermengheim ; Le Pays D’Abel Le Sahara des Ouled nail des Larbaa et des Amours, L’espèce Humaine No 18, Gallimard, 1960

صورة واجهة الموضوع: فارس للرسام البلجيكي غوستاف فلاسشاون Gustave Flasschoen 1868 -1940

 211 المشاهدات,  2 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *