أماكنية/ قرية البرج … من القصور العتيقة ببلاد أولاد نايل!!

قصور بلاد أولاد نايل، البرج، برج المهاش، الجلفة، سلمانة، مسعد، تراث عربي هلالي إدريسي، Ouled Nail

بن سالم المسعود

“البرج” أو “برج المهاش” نسبة إلى عرش “المهاش” من أولاد الأعور من نسل عيسى من سيدي نايل الإدريسي … قرية تقع على الطريق الرابط بين قصري مسعد وعمورة. وحاليا قصر البرج هو فرع بلدي يتبع بلدية سلمانة بدائرة مسعد وهي محسوبة على جنوب ولاية الجلفة.

وكما نلاحظ فإن أصل التسمية يوحي بوجود برج ربما هو مركز متقدم في فترة ما لصالح قصر من قصور حاضرة مسعد أو قصور منطقة بوكحيل. وبالفعل نجد الحاج المغربي الدرعي في كتاب رحلته عام 1710 يتحدث عن أحد الأبنیة في تلك الجھة على هيأة مسجد یطلق علیه الحجاج اسم البرج. وهذا ما يدلّ على أن البرج قصر عتيق كان به نمط العمارة الصحراوية. ونحن نعرف أن قصور أولاد نايل قد ازدهرت بالقرب من عيون الماء و”البرج” فيه أحد هذه العيون التي ذكرها الحجاج المغاربة. وهاهو الحاج المغربي الناصري عام 1782 يتحدث عن عيون سلمانة وسنجاف والبرج والسلطان ويقرّ أن ماء البرج هو أحسنها. وهذه التفاصيل وغيرها قد ذكرها الدكتور بشير عمارة في دراسته عن رحلات الحجاج المغاربة بمنطقة الجلفة بمناسبة ملتقى وطني في عام 2017.

وبالفعل فإن قصر “البرج” ما يزال يكتسي أهمية إستراتيجية في الطريق الذي يقع فيه. فضلا عن ذلك فإن هذا القصر تتوفر فيه عيون الماء أو كما يقال “الماء على وجه الأرض” ما شكل عامل استقرار فيه وممارسة الفلاحة القارة.

وقاموس بلديات الجزائر (1903) يشير إلى أن قصر البرج يبعد عن قصر عمورة بمسافة 32 كلم وأنهما يقعان على الطريق بين الأغواط وبوسعادة. كما ذكر القاموس أن البرج يبعد عن قصر مسعد بـ 13 كلم. ونتيجة لهذه الأهمية الإستراتيجية وما بذلته المنطقة من مقاومات شعبية ضد المحتل الفرنسي فإننا سنجد القاموس يشير الى أن الفرنسيين قد حولوا قصر البرج إلى مرتع للقوافل Caravanesérail وهي نقاط مرجعية أنشأها الاحتلال الفرنسي بكثرة في بلاد أولاد نايل من أجل راحة قوافله وطوابيره وحملاته العسكرية، تسمح بمراقبة جبال بوكحيل ذات التضاريس الوعرة وكون المنطقة مشهورة بصناعة البارود والسلاح وأيضا لأنها احتضنت الأمير عبد القادر سنتي 1837 و1846 في بيعتين شهيرتين وكذلك مع انتفاضة أولاد أم الإخوة سنة 1854 ولاحقا في حرب التحرير  1954-1962.

ويرتبط قصر البرج تاريخيا بحملة الجنرال يوسف لمطاردة الأمير عبد القادر ببلاد أولاد نايل في مارس وآفريل 1846. حيث أن عرش أولاد ساعد بن سالم قد تعرضوا لثلاث هجومات في يوم واحد نفذها الجنرال يوسف خلال ملاحقته للأمير عبد القادر في مسعد التي فرضت على سكانها غرامة ثقيلة، وفي قصر البرج وعند سفح جبل بوكحيل. فبعد أن أذاقهم يوسف أقسى صور العقاب لإجبارهم على التخلي عن مناصرة الأمير، غادر الجنرال يوسف الساحة نحو معسكره بـ “البيضاء” بنواحي آفلو. ولجوء أولاد سعد بن سالم الى قصر البرج يجعلنا مرة أخرى نؤكد ذلك التلاحم الذي كان بين أهل القصور والبدو الرحل في محاربة العدو الفرنسي ويحيلنا على خصلة عربية وهي النفرة وإجارة الأخ في الإسلام ضد المحتل. والى حين توفر تقارير عن هذه الحملة العسكرية فإنه من المؤكد أن أهل قصر البرج قد دفعوا الثمن غاليا على يد السفاح الجنرال يوسف الذي هاجم أيضا قصور الشارف وزنينة ومسعد وزكار أثناء مطاردة الأمير عبد القادر. فلم يكن ديدن السفاح يوسف إلقاء القبض على الأمير بقدر ما كانت له نظرة مستقبلية تتمثل في تسليط العقاب الشديد على بلاد أولاد نايل حتى لا يفكر أهلها “بدوا وحضرا” في محاربة فرنسا مرة أخرى … ولكن هيهات فالسفاح يوسف فشل في رهانه كما سنرى في قادم الحلقات!!

والآن سنطرح سؤالا عما اذا كان البرج قصرا أم دشرة بالنظر إلى بعض المعطيات الديمغرافية؟ فهذا القصر يقع في مركز قصور منطقتي مسعد وبوكحيل وهي الحنية ودمد ومسعد وعين السلطان وعمورة وسلمانة هذه الأخيرة هي الأقرب إليه بمسافة 07 كلم. ويبدو أن هذا القصر أقدم من قصر سلمانة الذي استفاد من قربه من مسعد. لكننا نرّجح أن البرج قد يكون دشرة تطورت إلى قصر بالنظر إلى أن المجلة الإفريقية تعطي إحصاء سنة 1857 عن وجود بستان واحد فقط  توجد فيه 318 شجرة مثمرة ما بين مشمش وخوخ وتين وتفاح بينما قدّر عدد سكانه بـ 21 نسمة سنة 1879. واذا وضعنا هذه الأرقام على محور الزمن فإننا سنجدها قد جاءت بعد ذلك الهجوم الذي قادة الجنرال يوسف سنة 1846 … فهل هجر عرش المهاش قصر “البرج”؟ أم أنهم هُجّروا إلى أماكن تحت المراقبة الفرنسية بالنظر الى الحملة الشرسة لمطاردة الأمير عبد القادر؟ أم أن هناك مجزرة ارتكبها الجنرال يوسف اختلط فيها دماء قبيلتي السعادات والمهاش؟ ذلك ما ستكشف عنه التقارير العسكرية الفرنسية التي لا تتوفر لدينا حاليا.

وبالعودة الى الجانب الديني الصوفي فإن قصر البرج قد احتضن في وقت من الأوقات زاوية الحاج برابح التي تأسست سنة 1830 على يد شيخها الحاج برابح المولود عام 1784 والذي عمر طويلا. وقد كانت الزاوية على شكل خيمة متنقلة ما بين “السخفة” و”بريش” و”البرج” وهي كلها مناطق تقع في إقليم دائرة مسعد حاليا. وهذا المعطى التاريخي يشير بوضوح الى دور علمي لقصر البرج لا سيما من حيث الحفاظ على الدين الاسلامي واللغة العربية.

 154 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *