قصّة محفظة محاد بن رحمون (1865-1945) … أو عندما يخاف الحرفيّ من الهجاء!!

صناعة تقليدية جلدية أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail الجلفة

بلخيرات سعد

يُروى أن الشاعر “محمد بن رحمون 1865-1945″، المشهور بـ “محاد بن رحمون”، ذهب إلى حرفي الصناعات الجلدية بقصر مسعد المشهور بمهارة أهله في صنعة “الملاخة” وطلب منه أن يصنع له “جبيرة“، أي محفظة جلدية صغيرة، غير أن الحرفي تماطل في إنجاز ما طلبه الشاعر محاد بن رحمون.
بعد انتظار لعدة أيام توعّده الشاعر ببيتين شعريين في “المَعْر” أي غرض الهجاء وفيهما يقول:
حاجتي ڨليلة عند النُّظار ***وانا شاهي ندير جبيرة
واذا شتيت راني معّار *** وخايفها لا تعود كبيرة
وما إن سمع الحرفي، واسمه بن معمر، بالأبيات حتى استنفر نفسه وصنع له “جبيرة” رائعة بكل المقاييس ذلك أنه صنعها من أجود أنواع “الشرك” وزاد على ذلك أن طرّزها فصارت مزخرفة وبديعة. وأرسل إلى الشاعر من يخبره بأن أمانته جاهزة وسيأتيه بها ضاربا له موعدا يوم السوق. 
تسريد البيتين:
حاجتي عندك أيها الحرفي هي مطلب بسيط عند الحرفيين المهرة. وأنا أشتهي (شاهي) صنع جبيرة. وإذا رغبت (شتيت أصلها اشتهيت) أيها الحرفي  فإنني معّار أي شاعر يجيد الهجاء. وأنا أخشى عليك من أن يعظم الخطب بيننا.
تشبه هذه القصة ما كان عليه العرب قديما في سوق “عكاظ” وهو من أهم أسواق العرب فلم يكن فقط مكانا لرواج السلع والبضائع والمنتجات بل كان ملتقى للشعراء من كل حدب وصوب. وكان يحدث أن يتوعّد أحدهم شخصا فيقول له “سأهجوك في عكاظ” فيقضي وطره مخافة فضيحة عكاظ لا سيما إذا كان الشاعر من فطاحلة زمانه … وهو الحال مع الشاعر محاد بن رحمون الذي يُعرف عنه جزالة شعره مبنى ومعنى.
وقد وجدنا هذه “الجبيرة” عند أحد أحفاد صديق وصهر الشاعر محاد بن رحمون. وسندُ ملكيتها يعود إلى السيد”حبشي ابراهيم” المولود سنة 1868 والمتوفى سنة 1974 أي أنه عاش قرنا و07 سنوات وبالتالي فهو قد عاصر الشاعر وعمّر بعده طويلا. 
تكمن القيمة التراثية لهذه الجبيرة في أنها تدلّنا في المقام الأول على أن الشاعر محاد بن رحمون فارس وصيّاد بدليل أن الجبيرة يقتنيها الفرسان لكي يضعوا فيها لوازم الصيد أو الفنطازيا أو الوثائق الشخصية أو أي شيء آخر. وقد راينا في مقال سابق “جبيرة” الفارس رمضاني العيد
ومن الناحية الحرفية الفنية نجد أن الحرفي بن معمر قد استخدم 04 تقنيات في الطرز أو ما يعرف محليا بـ “الرڨمة” وهي تقنيات “الطرز بالكيّ” و”الطرز بالخيط الجلدي” و”الطرز بالثقب” و”الطرز بالقصّ”. وقد وضع لها 03 جيوب الأمامي صغير. والجيبان الآخران أكبر منها.
ترجمة الشاعر: 
محاد بن رحمون (1865-1945م): هو أحد أشعر شعراء قبيلة أولاد نائل ولد بفيض البطمة وينتمي إلى فرقة “أولاد ڨويسم” من عرش أولاد أم الإخوة. عاش حياة صيد وتجوال من حل وترحال وقد نبغ في أغراض عديدة كالمدح والغزل والوصف. يقال أنه أصيب بشظية عظم غزال في عينه سببت له عاهة في عينه مما أجبره على العزوف عن ممارسة هوايته المحببة وهي الصيد. توفي سنة 1945 وقبره بنواحي تڨرت وهو معروف. 
شرح وتأصيل الكلمات:
الجبيرة: حقيبة جلدية يعلّقها الفارس على كتفه لأغراضه
الملاخ: الإسكافي، وهي من الفعل ملخ أي أدخل الشيء وأخرجه نسبة إلى عمل الإبرة أثناء خياطة الجلد.

الشرك: الجلد 

المعر: أي الهجاء

صناعة تقليدية جلدية أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail الجلفة

صناعة تقليدية جلدية أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail الجلفة

صناعة تقليدية جلدية أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail الجلفة

صناعة تقليدية جلدية أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail الجلفة

صناعة تقليدية جلدية أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail الجلفة

 270 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *