توثيق أ. عدة خلوفي/ قصيدة حافلة بقيم اجتماعية وأسمائية وتراثية وتجارية

الشعر الملحون التراث العربي الهلالي الإدريسي أولاد نايل Ouled nail

الكاتب/ عدة خلوفي، بن سالم المسعود

تقديم:

القصيدة للشاعرة عيساوي دنيا بنت البشير المولودة حوالي 1870 أو بعدها بقليل، وهي شقيقة الشاعر أحمد بن البشير , الذي مرّ خبره وخبر قصيدتة ( فراق الحجاج ) سابقا،والمولود عام 1868 …

ودنيا كانت تحت طمار الديقش بن أحمد بن علي، المولود عام 1863، وكان له منها بنين كثر، ثم إنه بعد ذلك تزوج أرملة جاب الله عمراني الحمدي “طمار فاطنة بنت سي قويدر” الشيخ الأكبر لزاوية الطمامرة، فكان له أبناء منها، منهم الحاج بن الديقش، الذي عرف بالحاج بن جاب الله، ولذلك سبب ليس هناك داع لذكره ..

تزوج الحاج بن جاب الله أو بن الديقش، النوري فاطنة بنت قيباش الحمدية، وكان مئناثا، فخشيت “دنيا بنت البشير” أن يغضب زوجها الحاج ابن ضرتها لذلك فيطلقها ــ وكانت أمه بعد أمه، وذريته أحفادها ــ فصنعت هذه القصيدة في مدح بناته، وكن صغيرات وقتها، تزيّنهن في عينيه.

القصيدة صنعت منتصف أربعينيات القرن الماضي، وهي ليست من جياد القصائد، كجل أشعار النساء، ولكنها تظل قصيدة تراثية، يمكن تصنيفها ضمن الشعر الاجتماعي. أطرحها بين أيديكم، علها تعجبكم، وعلكم ترون فيها رأيكم.

قبم من القصيدة (بن سالم المسعود):

القصيدة اجتماعية بامتياز وقد وُفق الأستاذ عدة خلوفي في توثيق درة شعرية حافلة بالقيم التي تحكي شظف المعيشة وتدبيرها.

بادئ ذي بدء القصيدة قيلت في فترة الأربعينات يعني إبان سنوات المجاعة والوباء وقلة اليد والحيلة في جلب الزاد وطلب المعيشة. ولهذا فإن هذا السياق مهم جدا في فهم القصيدة. فالتشبيه هنا بالقهوة وتمور “دڨلة نور” يدلان على الشوق لهذه الأغذية بسبب انقطاعها أو قلتها.

وبالفعل فقد تميّزت فترة الأربعينات بنقص المؤونة (الرافيطايما). وفي هذا الصدد نستحضر دراسة تاريخية للباحثة مفيدة قويسم عن مجاعة الأربعينات من القرن الماضي حيث تقول: “كانت الرافيطايما – ravitaillement من زيت وسكر وشاي وقهوة وصابون ولباس …إلخ، تُوزع على المتاجر حسب الأحياء ويخصص يوم واحد من الأسبوع تقسّم فيه، ومن عند تاجر واحد فقط ويمنع منعا باتا ترك الوصل عند التاجر فكل وصل “بون-Bon” يمسك عند أحد التجار لا يعاد  لصاحبه ولا يُعوض بأي شكل من الأشكال، وقد يعاقب الشاري والبائع بستة أشهر أو عام من السجن، وهو ما يُثبت كإجراء قانوني إلزامي في الوصلات ما يؤكد على أن الشعب آنذاك كان يعاني في الحصول على أدنى متطلبات العيش”.

والشاعرة هنا إذ تستحضر القهوة في وصف ابنتها “خضرة” فإنها لم تبتدع جديدا ذلك أن القهوة قد ملكت الناس إلى درجة أن صار لها حظ وافر فيما جادت به قرائح الشعراء الشعبيين. وهنا نستشهد بدراسة الأستاذ بهناس محمد عن القهوة في الشعر الملحون وما نقله من نماذج شعرية إلى حد أن الشاعر محاد بن حرّان الأمهاني “عرف بالشعر كيف ينقل إلينا حالته النفسية في غياب القهوة، ما يعني لديه، تقريبا، غياب العقل” على حد تعبير الأستاذ بهناس.

والقصيدة تحيلنا على جانب تجاري مهم جدا. فمثلا يمكننا أن نستنتج أن قوافل التجار كانت ما تزال نشطة في جلب التمور من واحات الصحراء. وهو ما يتوافق مع نقلته لنا مصادر التاريخ الوثائقية والشفوية. فمثلا أحد تقارير التيطري يشير إلى قافلة التمور التي جلبها الشيخ المقاوم “التلّي بلكحل” في نهاية خريف سنة 1846 وإقامته بزاغز الغربي. وبحوزتنا رواية شفوية سنة 1920 تشير إلى مرور قوافل التلّ إلى واحات سيدي خالد مرور بزاغز الشرقي ومضارب أولاد سيدي عامر. وهنا لابد من الإشارة إلى قدم اسم “دڨلة نور” عندنا مع العلم أن كلمة “الدّقل” هي عربية فصيحة.

ونفس الأمر بالنسبة للباس حين نجد الشاعرة تُسمي “الفراش، قمجة الشاش، لباس القضيفة، ثوب الحرير، ثوب المليفة”. وهو ما يحيل على رواج الأقمشة وقد ذكرنا سابقا كيف أن باي وهران في غزوته على قصر زنينة سنة 1785 قد استحوذ على القماش وغيره من الغنائم، وهو ما ذكر كاتب نصر رحلته “ابن هطال”.

القصيدة تشير إلى قيم عسكرية تذكّرنا بسطوة وسلطة فرنسا من قبيل كلمة “جينرال” وكلمة “ڨراد Grade” وهو ما يعني أن الناس كانت ترنو إلى الندية في مواجهة فرنسا.

ونختم بالقول أن الشاعرة وثقت قيمة خلقية وهي جلب الهدايا للمرضى عند عيادتهم ومنها “دڨلة نور”. ولا ننسى توثيق الشاعرة لأسماء أخواتها وهُنّ “خضرة، العايزة، العطرة، فاطنة”. وهذا الجانب الأسمائي مهم جدا حين نجد أن فيه اختيار أحسن الأسماء للأولاد وفيه الفأل الحسن من خضرة الأرض والعطر والفطنة. أما اسم “العايزة” فهو من الفعل “عاز” الذي يشرحه ابن سيده في “المخصص” فيقول: عازّ الرجل إبله وغنمَه مُعازّة – إذا كانت مراضاً لا تقدر على أن ترعى فاحتَشّ لها. وهو ليس من الفعل “أعوز” الذي يعني أفقر، ومذهبنا في هذا التفسير هو أن الناس بمنطقة أولاد نايل كانت تحب الفأل الحسن وتجتهد في اختيار أجمل الأسماء.

نص القصيدة:

ــ خضرة زينة السمايم (1 )

قهوة وجات للصايم  

بنتي ڨاع ما تشقاش 

ترقد قا فوڨ فراش 

بقمجة انتاعت شاش 

باه تبدل اللبسة 

ــ شوف العايزة في الزين (2)

دڨلة نور في عرجون 

جابوها اللي خطار 

شهوة جات للمُرضى 

ــ العطرة جات من تالي ( 3)

وتنده جدها والي 

تجيب اطفيل ذا الخطرة 

هي سيدها مڨرون ( 4)

ويغضب ڨاع ما يرضى 

وخفتو لا يزيد اخرى  

ــ بلّلي فاطنة الضيفة (5 )

بنتي زينة الصيفة 

وتلبس قا القضيفة 

وثوب احرير وامليفة 

سلامة سيدها منصور (6)

ولا أعمامها عشرة 

بنتي ضي في دشرة 

علاه تقصر القياد  

جينيرال وجاب ڨراد (**)

منو ڨاع محسوسة 

ــ ناس لحرشا وناس الواد 

وناس الخير في ميعاد 

يجو خمسة ذكور اعداد ( 7)

باه تزل ذا لوكسة 

هوامش:

1 . 2 .3 . 5 : بنات الحاج بن الديقش بالرتيب 

4 : سيدها : الحاج بن الديقش زوج فاطنة بنت قيباش 

6 : منصور: الحاج منصور بن جاب الله عمراني الحمدي , وهو آخ طمار الحاج بن الديقش من أمه فاطنة ..لأن فاطنة بنت سي قويدر حين ترملت عادت إلى أهلها في أم الشقاق ومعها أبناؤها: الحاج منصور ، الحاجة خديجة،  عائشة.

7 : توفيت النوري فاطنة فتزوج الحاج بن الديقش النخلة ابنة خاله سي أحمد بن سي قويدر طمار . وكان له منها أولاد، منهم ستة ذكور.

(**): جينيرال رتبة عسكرية فرنسية مقابلها عميد، ڨراد: Grade وتعنبي الرتبة العسكرية.

الراوية: خضرة بنت الحاج بن الديقش أو جاب الله صاحبة الصورة المرفقة، كبرى بناته، المذكورة في أول القصيدة .

توثيق وتحرير: الأستاذ عدة خلوفي

التعليق على قيم القصيدة: أ. بن سالم المسعود

 211 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *