بقلم سعد بلخيرات/ من مظاهر الحياة ببلاد أولاد نايل خلال العهد العثماني (ج 02)

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

التجارة وحركة القوافل والانتجاع الموسمي

إن أغلب أهالي بلاد أولاد نايل كانوا يعيشون أساساً على الرعي وتربية المواشي وزراعة الحبوب المحدودة في السهول. ولأن الزراعة كانت تتأثر بالمناخ القاسي ولا تغطي حاجياتهم فقد لجأوا إلى التنقل المستمر والانتجاع بحثا عن المراعي الخصبة لمواشيهم.

وتعتمد رحلات الانتجاع على وفرة الكلأ واعتدال الطقس. فيسيرون شمالاً أيام الربيع والصيف نحو (التل) ذي السهول الخصبة أين يمارسون عدة نشاطات كالمشاركة في موسم الحصاد وجمع المحاصيل واكتيال الحبوب من الأسواق كسوق “عين الباردة” ببايلك التيطري. وعليه يقتنص بابات التيطري الفرصة لجمع الرسوم والضرائب مقابل السماح لهم بالتردد على الأسواق والإقامة بالمراعي.

أنواع الرسوم والضرائب …

كانت الضرائب المفروضة بالأسواق تُعرف عادة باسم “العسة” أو “المعْوَنة” وهي تختلف حسب الجهات والقبائل والأسواق. بحيث تخفف على القبائل الموالية وتزداد قيمتها على العشائر المعادية للبايلك.

ويشير دوفيلاري في كتابه “قرون السهوب” إلى أن أولاد نائل الغرابة كانوا يدفعون ضريبة سنوية مرتفعة وبصفة جماعية تقدر بـ 06 خيول و240 جرة سمن و600 رأس ضأن و100 جمل مُجهز. كما يذكر الدكتور “ناصر الدين سعيدوني” أن اولاد نائل الشراقة كانوا يدفعون رسماً مرتفعاً من ضريبة العسة يقدر بـ 3150 خروف و270 جرة سمن غنم و90 جملاً. بالإضافة الى مبلغ من المال حدد بـ 2700 ريال بسيطة”.

وقد نتج عن فرض هذه الرسوم المرتفعة على القبائل المهاجرة للتل بعض الأعمال العدائية والتمردات الضريبية التي أدت إلى شن حملات موسمية اعتيادية تسمى “المْحلاّت“. هذه الأخيرة كانت تفرض هي الأخرى رسوما وضرائب كضريبة “الضيفة” وهي عبارة عن إطعام جنود المحلة وتقديم الأعلاف لخيولهم خلال مدة الاقامة. كما فرضت كذلك ضريبة أخرى تعرف بـ “الخطية” التي يدفعها أفراد القبائل بصفة فردية أو جماعية عند ارتكاب مخالفات أو عند عصيان أو اقتراف جرائم ضد الشيوخ أو وقوع أعمال القتل والتعدي على الملكيات.

وخلال ارتحال أولاد نايل جنوباً في الشتاء سواء للإنتجاع أو كتيال التمر بالمشاركة في موسم جني التمور، فإنه كان يتم مقايضة مكيال تمر بثلاثة من القمح وستة من الشعير.

وهاهو الشاعر “محمد بن رحمون” يحكي رحلة الإنتجاع واكتيال القمح من أسواق التل شمالاً:

قمح التل نكيلو بقطاعي ليه *** نحذر عودتي ونزيد جمالي

برد الحال نخلف بلادو نخطيه *** نهرب من بر الوخم أنا وعيالي

بر الصحرا ولغزال روحو ليه *** قاتلي والع بيه وزهر موالي

كل ليله عزري من جلبة نديه *** وانا في زقرة وتقصير ليالي

التجارة والمقايضة …

وفي فترات محددة من السنة يتحول أهالي بلاد أولاد نائل من مربي مواشي إلى تجار. فيسيرون في قوافل الى أسواق الواحات جنوباً وأسواق التل شمالاً. والمعاملات التجارية التي تتم عادة هي تسويق منتجاتهم واقتناء ما يحتاجونه من أغراض كالتمر والأسلحة والقماش والحبوب. وسنجد هنا “توماس شاو”، سنة 1725م، يشير الى تنقل وحركية عدة قبائل لأولاد نائل بين بوغزول والأغواط كما يذكر تجارة الملح من “السبخات” و”جبل حجر الملح” أين كان الملح بضاعة تجارية تنقل الى الشمال.

كما وصف “شاو” أيضا الطريق بين غرداية والجزائر التي تمر عبر فيض البطمة التي كانت بمثابة مستراح أو محط لقوافل تجار بني ميزاب. وتتقاطع هذه الطريق التجارية بين الشمال والجنوب مع الطريق المعروفة بين الغرب والشرق مرورا بقصور مسعد وهي أساسا طريق الحجاج المغاربة ومنهم من كتب عنها كالعيّاشي.

وتدل كل المؤشرات على أن هذه المنطقة لطالما شكلت ممرا تقليديا لشتى القوافل. وهو ما صنع حراكا اقتصاديا نمت معه حركة المبادلات بين شتى قبائل السهوب والصحراء والتل. وهذا باعتبار منطقة أولاد نائل همزة وصل بين الشمال والجنوب ومركز عبور ضروري بين واحات الجنوب وأسواق التل. كل هذه العوامل جعلت أولاد نائل يمتهنون التجارة التي تمثلت في المواشي والقمح والشعير والأصواف واللحوم المجففة التي تباع في أسواق الجنوب كسوق تڨرت ومتليلي الشعانبة وأولاد جلال وطولڨة وفي المقابل اكتيال التمر والأسلحة والقماش وغيرها من السلع المطلوبة.

أما داخل ربوع أولاد نائل فتنتشر الأسواق الأسبوعية التي تنعقد كل أسبوع وقد حددت لها مساحة معينة غالباً ما تكون محاطة بسور تعرض داخله السلع والمواشي. فيقصدها التجار والزبائن من أماكن بعيدة وقريبة.

وزيادة على الأسواق الأسبوعية التي تقام نصف نهار كل أسبوع فإن هناك أسواقا تقام سنوياً  في أماكن متفرقة وهي معروفة لدى السكان مثل “سوق السحاري“. وعادة ما تنعقد هذه الأسواق في فصل الخريف كما قد يحدث أن ترتبط بوعدة ولي صالح أو احتفال ديني. والسوق الموسمي يكون فرصة للقاءات اجتماعية كالصلح وفض الخصومات والمصاهرة. وذلك لعقد صفقات كبرى قد ترتبط بحراثة الأرض وكراء المراعي وعرض منتجات موسمية … ولهذه الأسباب وغيرها ينعقد لفترة أطول قد تصل أسبوعا أو أكثر. وخلال هذه الفترة تكون السوق أشبه بأسواق العرب القديمة، كسوق عكاظ، فتصبح ساحة أدبية وفنية بامتياز من خلال حضور الشعراء الشعبيين والمداحين والحكواتيين حيث تصاحبها عروض في مهارات الفروسية. ونسوق هنا مثلا عن موعد سجال شعري بين الشاعرين النايليين صرصاب وأحمد بن بولرباح (1860- 1921) المدعو “شليقم” حيث يدعوه هذا الأخير قائلا:

ذيك الصحرا ق اخطيها يا طالب *** راهم اهلها كي البل عنها قواب
حنا صحرتنا كي لولية تسلب *** وعلى المنحر دايرة ڨطعات سخاب
حنا صيد بلادنا حجلة وارنب *** وزين الخنوفة يفزّ مع لعلاب
وانتم صيد بلادكم هامة والضب *** والمحوالة تحفرو عنها سرداب
ها وقيلا ق انت فارس تلعب *** لا حضروا لبطال ثم راك تهاب
فالعلفة سلسات بالحافر تنهب *** والفرسان يجو ركاب يحك ركاب
سوڨ الجلفة بيناتنا وارواح اجلب *** ثم يبان الصح ويبان الكذاب

ونفتح هنا قوسا لنوجه نداء لتوثيق رائعة المساجلة ما بين صرصاب وشليقم مع حذف كل بيت شعري من شأنه إثارة ضغائن ونعرات قبلية، هذا إذا افترصنا بصحة وقوع الشاعرين في ذلك وهو الذي نستبعده.

إن هذه الأسواق تتأثر سلبا وإيجابا بعدة عوامل تجعلها تأفل فتتذبذب العلاقات التجارية أو تزدهر وتتطور وقد تختل معها موازين القوى بين القبائل وسلطة البايات. وهذه العوامل تتمثل في المجاعات والانتشار المتكرر للأوبئة ومنها ما وقع في العهد العثماني كالوباء الذي جاء على ذكره العياشي في رحلته عند اختراقه مضارب أولاد نائل سنة 1661م وأيضا طاعون 1816م.

كما تتأثر الأسواق سلبا بالجفاف والجراد ونشير هنا إلى ما ذكره “الدرعي” خلال رحلة حجه سنة 1709م حيث ذكر تراجع المحاصيل في دمد بسبب موجة الجراد. وهناك أيضا أوبئة ومجاعات القرن التاسع عشر سنتي 1803م و1805م … كل هذه العوامل انعكست سلبياً وأدت إلى غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتذبذب العلاقات التجارية، وبين أيدينا بيت من الشعر الملحون يربط التجارة بانفجار الوضع في البلاد:

تحزّمت رجال الفتنة *** والتل تزول منو الذخاير

وتولّي النخلة برخلة *** و بلا شك تخلى الدزاير

وهناك أسباب سياسية كموجات الإستيطان الفرنسي وحملاته وتزايد التجار اليهود ومعاملاتهم الربوية المحرمة وارتفاع الضرائب.

إن كل العوامل سابقة الذكر وغيرها نتج عنها أحيانا استفحال ظاهرة الإغارة التي جعلت التجارة والإنتجاع في غير مأمن من غائلة الطريق والليل.

سلطة القبيلة على الطريق التجاري …

وحسب الأستاذ “اسماعيل العربي” فإن القوافل التجارية خلال تلك الحقبة لم تكن تضبطها قيود ولم تكن تخضع لإجراءات جمركية وقوانين. فمشكلتهم تكمن فيما يواجهونه من مخاطر في طريقهم بما في ذلك خطر السطو والنهب. فالقوافل تقطع مسافات شاسعة في ظروف تضاريسية ومناخية صعبة وهي مضطرة الى سلوك طرق معينة وممرات تقع في مسالك وعرة مع حتمية المرور على نقاط المياه والآبار بجانب القصور. وهذا الاعتبار يسهل كثيراً مهمة قطاع الطرق الذين يعيشون على السلب والنهب.

هذا الوضع جعل الطرق التجارية تتمتع بحماية فعالة من العشائر التي يهمها استمرار التبادل التجاري. ومعه صار كبار التجار يحصلون على ضمانات للأمن بعدما يدفعون إتاوة مهمة للقبائل التي يخترقون مجالها وعليه يصبح شيخ القبيلة أو مقدم الطريقة، الذي يتمتع بتقدير واحترام عام، بمثابة الحامي والضامن ومسؤولاً عن كل ضرر بمصالح التجار ويتعهد بأن يعيد إلى التاجر كل ما قد يسرق منه.

الباعة المتجولون … البدّالة!!

 كما كان هناك نوع أخر من التجارة وهو انتشار باعة متجولين ينشطون في مجال أولاد نائل حيث يجوبون الأسواق والقصور والبوادي والمضارب ببهائمهم. وكانوا يُعرفون اصطلاحاً بالعامية باسم “البدّال” الذي يعرض بضاعته على الأهالي. وهي عادةً ما تكون أدوات الزينة والتجميل كالمسواك والكحل والحلي فيقايضها إما بالصوف أو القمح والشعير والبيض …

الجزء الأول للبحث: من هنا

يتبع / الجزء الثالث

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

أولاد نايل القوافل التجارية الأسواق الصحراء الجلفة تراث عربي هلالي إدريسي Ouled Nail

 424 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *