الشعر الملحون بين مأزق التسمية وإشكالية التلقّي

الشاعر بهناس محمد، التراث الشعري، أولاد نايل، التراث العربي الإدريسي الهلالي، الجلفة، Ouled Nail

الشعر البدويّ الجلفيّ، وما هو على شاكلته من أشعار المنطقة السهبية، هو توأم الشعر الرسميّ القديم، في بلاغته وتركيبته، وحتى في بيئته الصحراوية، فضلا عن أن الكثير من الأشعار تتقاطع فيما بينها مشكّلة معان مشتركة، حتى لكأن بعضا من الشعر القديم صيغ، عمدا، إلى اللهجة البدوية في الجلفة مثلا.
يقول العبّاس بن الأحنف:
فيا ساكني شرقي دجلة كلّكم.. إلى القلب من أجل الحبيب حبيب (1)
يقول أحد شعراء المنطقة قديما:

اللّي جا من برها جملة نبغيه *** نحسب سكّانو اكّل قاع حبابي

ويقول العبّاس بن الأحنف في سياق آخر:

لعمري لأهل العشق فيما يصيبهم *** أحــقّ بأَن يبكى عليهم من المـوتى
يميت الهـــوى قوما فيلقون راحة *** من الضرِّ والجهد المبرّح والبلوى
ويحــيا به قوم أَصـــابوا هـــواهم *** وقد صرت فيهم لا أَموت ولا أحيا(2)

وفي معنى مشابه يقول الشاعر محفوظ بلخيري:

يا مسعد من راه فارڨ عمرو صد *** يتلاڨى في لاخـــرة بـلّي يبغــيه
لعـــلّ قلبـــه يــريّـــح كـي يتـمـــد *** وتهاجــر روحـو لمحبوبو تعنيه
تتعارف لرواح في حوض الماجـد *** وتتعانــڨ بعـد الفــراڨ بلا تنبيه

يقول الشاعر نصيب بن رباح:

أهاج هواك المنزل المتقادم؟ *** نعم، وبه ممن شجاك معالم (3)

وفيما يشبهه من معنى يقول الطاهر بلخيري:

مرسم ولفي طالت الدنيا وڨدم *** كان مونّس خاطري ساعة ونجيه

يقول قيس بن الملوّح:

أحبّ من الأسماء ما وافق اسمها ** أو اشبهه أو كان منه مدانيا (4)

يقول أحد شعراء المنطقة:

اسمك نشتي نسمع الللي يهدر بيه *** بعدمّا ننساك لفظو تنباها

وأيضا يقول قيس بن الملوّح:

وإني لأستغشي وما بي نعسة *** لعلّ خيالا منك يلقى خياليا!(5)

يقول الطاهر بلخيري بن سعد:

نشتي نرڨد قا باه نهترف بيك *** ضيّع ڨاع اوقاتنا حب منامك!

وفي تعليق على البيت الأخير، فإنه وإن كان لقيس بن الملوّح فضل السبق، فإن للشاعر بلخيري الطاهر فضل الزيادة، فقد سلخ المعنى وزاد فيه صورة أخرى في عجز البيت، في قوله: ضيّع قاع اوقاتنا حبّ امنامك.
حين قرأت على الشاعر البدوي الطاهر بلخيري قول المجنون استغرب التشابه الشديد بينهما، ونفى أن يكون قد سمعه من قبل، ويدخل هذا في باب ما يتّفق فيه الشاعران، ” وقد سئل الأصمعي عن الشاعرين يتّفقان في المعنى الواحد، ولم يسمع أحدهما قول صاحبه. فقال: عقول الرجال توافقت على ألسنتها” (6).

يقول الشاعر القاضي الفاضل:

وتطلبهم عيني وهم في سوادها *** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

ويقول أحد الشعراء القدامى نقلا عن الأستاذ علي عرعور (رح):

متوحّشكم خاطري وانتم في اللّب *** وانتم في عيني ويستمّى غياب

كما أن كلا الشعرين: الملحون والرسميّ. يعتمد رأسا على الإيقاع. والأذن العربية تعوّدت على مثل هذا الإيقاع الفنّي، تعوّدت طويلا. لكن هذا يمنع أن يفهم غير البدويّ أو من ليس له صلة بالبداوة هذا الشعر البدويّ ويستوعبه. لا يمكن للشعبيّ المدنيّ والحضريّ أن يميز جيّد الشعر البدويّ من رديئه، سواء كان من النخبة أو من العامة، وستصير ملاحظاته عما تلقّى خبط عشواء، فأسلوب الشعر وبلاغته تختلف من إقليم إلى إقليم، ومن قطر إلى قطر، فالشعر البدويّ بالتحديد لا يستوعبه سوى البدويّ أو العارف لشؤون البادية وما يتصّل بها بدءا من اللغة. لذلك يتعذّر على قارئ الشعر في قطر ما فهم واستيعاب ما ينظم من أشعار في قطر آخر. يقول ابن خلدون “واعلم أن الأذواق كلّها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها، حتى يحصّل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية. فلا يشعر الأندلسيّ بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب، ولا المغربيّ بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق، ولا المشرقيّ بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمغرب. لأن اللسان الحضريّ وتراكيبه مختلفة فيهم، وكلّ واحد منهم مدرك لبلاغة لغته وذائق محاسن الشعر من أهل جلدته” (7).
ــــــــــــــــــــــــــ
1 / عاتكة الخزرجي / ديوان العباس بن الأحنف / القاهرة مطبعة دار الكتب المصرية 1373 .. 1954 / ص 29
2 / نفس المصدر السابق / ص 02
3/ أبو فرج الأصفهاني / الأغاني / ج 1 ص 12
4 / يسري عبد الغني / ديوان قيس بن الملوّح / رواية أبي بكر الوالي / منشورات محمد علي بيضون / دار الكتب العلمية / بيروت لبنان / ص 124
5 / المصدر السابق / ص 125
6/ أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي / العقد الفريد / دار الكتاب العربي .. بيروت .. لبنان / ج 5 / ص 330
7/ عبد الرحمان بن خلدون / مقدّمة بن خلدون / دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع / بيروت .. لبنان / ص 629

 80 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 1

  1. شكرا فيما كتبت وعبرت ، وانا ارى اشكالية الكبرى التي خدمت الشعر الشعبي االجلفاوي او الجلفي ، ظاهرة الغناء والطبوع ،ومع العلم ان الفن النائلي كان يعتمد على التقصاد والمدح ، وجاءت موجة من الغناء النائلي فيه بعض المطربين اهتموا بالكلمة بدل الوزن اللحني ، لكن غلب على كثير من الغناء النائلي الجلفاوي او حينما ابتعد الشعراء على الكتابة واصبح من يكتب بعض المتسلقين الذي يركبون الكلمة مع الكلمة وسمعت كثيرا من الغناء النايلي ، و الشعر المختار له ، كله أخطأ لا من حيث المعاني او المبنى او التركيب الشعرية او التصوير الشعري ،الشعر هو فن قائم بذاته ، ليس كل من كتب اصبح شاعرا ، ولذا حينما تسمع لبلخيري محفوظ ، او الطاهر ، او مالكي قويدر او بقة عيسى او قلاسة او بن صولة او مبارزات صرصاب وشلقيم ، حينما تسمع تلك التراكيب تعي ان الشعر صنعة لا يجيدها الا من حباه الله بهذه الموهبة لوكانت بالتعلم لاصبح الكل شعراء ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *