بقلم بن سالم المسعود/ أصل تسمية “عين وسّارة”!!

عين وسارة تراث عربي هلالي إدريسي رحمان الجلفة ouled Nail

“عين وسّارة” مدينة تقع شمال ولاية الجلفة … وهذه المنطقة عمرتها قبائل عربية مرتحلة وأشهرها “رحمان”. لها حضور تاريخي وتراثي ثري عبر شتى مراحل تاريخنا.

في هذه السانحة سنبحث في الأصل الأماكني لتسمية “عين وسّارة”. ولهذا لجأنا مباشرة إلى الدكتور “حميد غانم”. فهو زيادة عن كونه ابن المنطقة فإنه أيضا أستاذ للغة العربية درّس أجيالا ولم يقف عند ذلك بل واصل دراساته العليا وتحصل على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها. كما أنه مهتم باللغة العربية والتدقيق في ألفاظها ولهجاتها وله في ذلك منشورات وكتابات وتخريجات وتأصيلات لغوية جميلة. كما لجأنا أيضا إلى الأستاذ شويحة حكيم الذي أعطانا رواية عن نبتة “الوسرة” مثلما سيأتي بيانه.

الرواية الأولى … توسير السروج !!

يقول محدثنا “ما لدي من معلومات عن أصل تسمية “عين وسارة” هو رواية عن عين في الجهة الشرقية من المدينة، وكانت تقيم بمحاذاتها امرأة “تُوَسّر” السروج. فسميت عين وسارة. ومع ثلاثينيات القرن الماضي تحولت تسميتها على الحاكم الفرنسي الذي كان مقيما بها بعد وفاته واسمه “بول كزال”. فكانت خلال الأربعينيات والخمسينيات وحتى الاستقلال تسمى “بول كزال”. ثم استعادت تسميتها بعد الاستقلال. وكانت تتبع التيطري حتى حصول الجلفة على ولاية. وبها معتقل عسكري فرنسي مشهور، معتقل “بول كزال”، سُجِن به كثير من المجاهدين. من ببنهم الشاعر “محمد الشبوكي”. صاحب نشيد “جزائرنا يا بلاد الجدود”. وكان أقارب السجناء الذين يزورنهم من ولايات شتى من سكان المدينة على صغرها آنذاك، وقلة ذات يديهم، كل الحفاوة، حيث يبيتون عندهم، ويكرمونهم عند مجيئهم لزيارة السجناء من أهليهم”. إنتهى نص رواية الدكتور غانم.

يقدم لنا الدكتور غانم مصطلحا في غاية الدقة يتعلق بحرفة يدوية وهي “التوسير” أي تصليح السروج. وهكذا نستنتج أن الفعل هو “وسّر، يوسّر” واسمها هو “الوسّار” للمذكر و”الوسّارة” للأنثى. و”الفعّال” هنا هي صيغة تدل على حرفة كقولنا الخبّاز والخيّاط.

ننطلق الآن في التأصيل التراثي لحرفة “التوسير”. بمجرد البحث سنجد أنفسنا أمام نفس التسمية في دول الخليج العربي أي “التوسير” ولكنها حرفة تتعلق بتراث بيطري في “الصقارة” أي علاج وتجبير جناح الطير الجارح المستخدم في الصيد بإصلاح ريشه المكسور. والملاحظ لكيفية “توسير” ريش الطير سيجد أنها تعتمد على الشدّ أو اللصق بغراء قوي أي شد الريشة المكسورة بريشة أخرى ليكتمل شكلها وهي نفس الطريقة في إصلاح الجزء المكسور أو المهترئ من السرج. ويقول أهلنا في الخليج العربي “يُوَسّر” أي “يجبر” ريش الصقر.

لنتساءل الآن عن التأصيل اللغوي للفعل “وسّر”؟

البحث في المعاجم وأمهات كتب التراث يقتضي منا دوما معرفة أصل الكلمة ولهذا فإننا لن نجد الجذر “و.س.ر” وبالتالي لابد من البحث عن أصله.

أقرب فعل من اللغة العربية لتأصيل كلمة “وسّر” هو الفعل “أسر” … فكيف انتقلت الكلمة الفصيحة “أسر” إلى كلمة “وسّر” في العامية الجلفاوية؟

لنلاحظ هذا الجدول:  

عين وسارة تراث عربي هلالي إدريسي رحمان الجلفة ouled Nail

الآن لنذهب إلى معاني الفعل “أسر”. فالشائع والمتداول هو أسر بمعنى سجن أو حبس بعد أن ألقى القبض. وإذا حاولنا أن نجد من معاني “أسر” ما له علاقة بحرفة “التوسير” فإننا سنجد “الخليل بن أحمد الفراهيدي” يشرح في كتاب “العين”  بقوله “وأسرتُ السرج والرحل: ضممتُ بعضه إلى بعض بسيور”.

وهذا التخريج يعتبر دليلا قاطعا على فصاحة أهل عين وسّارة فضلا عن أنه يُعتبر دليلا تراثيا مهما جدا حول فروسية قبائل عين وسارة واعتنائهم بحرفة تصليح وصناعة السروج التي تحتاج بحثا حثيثا وتوثيقا بكل السبل …

وفي نفس السياق يستدرك الأستاذ بن مريسي قدور عن أن التوسير هنا يتعلق بالهودج وأنه حرفة نسائية بعكس توسير السروج التي هي حرفة رجالية. فيقول في ذلك “السروج صناعة رجالية أولا….ثم ماذا نوسر في السرج!؟ هذه المرأة كانت توسر الباصور أي الهودج تجمع أعواد الدفلى ببعضها بواسطة سيور الجلد التي كانت تغطسها في الماء (تترنخ) وهذا ما جعلها تعمل قرب هذا النبع، معنى توسر تصنع سيور من الجلد اللين كي تضم الأعواد إلى بعضها وتصنع الباصور (الهودج)، نقول إن صناعة وتوسير السروج صناعة رجالية، كذلك تشير كلمة وسارة إلى المكان المرتفع، يقول المثل الشعبي: ما عندي في الصحرا ما عندي في الوسرة، وقيل أن الوسرة هي النعجة”. 

وإثراء لتعقيب الأستاذ بن مريسي نشير إلى أن “القاموس المحيط” يذكر أن معنى كلمة “الأوصر” في اللغة العربية هو المرتفع من سطح الأرض. ولعل أعواد الدفلة تدخل في صناعة السروج لأنه كلما كان اللوح خفيفا كان أفضل وأجود للسرج. 

السرج التوسير حرف الجلفة عين وسارة أولاد نايل Ouled Nail تراث عربي هلالي إدريسي

الرواية الثانية … الوسرة !!

يقول الأستاذ شويحة حكيم أن أصل كلمة “عين وسارة” نسبة إلى نبات “الوسرة” وهو ما يعرف بالعامية أيضا باسم “السمار”. ويشتهر بنموه عند مصادر الماء.

ولقد وجدنا من يشير إلى هذه الرواية وهو القائد الأسبق للكتيبة الجمهورية للأمن 121 “CRS 121” الملازم روبير بينو “Robert Pinaud“. حيث عمل مع كتيبته في الجزائر في عدة مناطق من سنة 1954 إلى سنة 1962. فألّف كتابا بعنوان “Un ancien patron des CRS se souvient” وفيه يتحدث عن عين وسارة. فيقول أن معنى كلمة عين وسارة هو “la source des joncs en Arabe” أي أن معنى كلمة “وسّارة” يعود إلى نبتة السمار التي من أسمائها “الأسل، الوسل”. فهل هذا يعني أن أصل الكلمة هو “وسّالة” وتغيرت إلى “وسّارة”؟. هذا الطرح قد يكون مقبولا بالنظر إلى التغيرات التي تلحق قد تلحق الحرف الأخير من الكلمة في استعمالها العامي مع حفاظها على معناها كتغير حرف اللام في كلمة “إسماعيل” إلى نون ليصبح “اسماعين”.

ويمكن الجمع بين الروايتين الأولى والثانية من حيث أن التسمية تعود إلى حرفة “توسير السروج”. أما تسمية “وسرة” لنبتة “السمار” فربما أصلها إلى كونها تُستخدم في صناعة الحصائر وفيها ترد كلمة “الأُسرة” التي من معانيها “ما يُشدُّ به الشيء ويُربط” … وهكذا نلاحظ أن كلمة “التوسير” و”الوسرة” و”وسّارة” تصب كلها في حقل دلالي واحد إذا تناولناها من منظور حرفتي صناعة السروج والحصائر.

روايات لا أساس لها …

جميع الروايات التي تقال عن علاقة تسمية “عين وسارة” بكلمة “أسرى” معتقل “بول كازيل” لا أساس لها من الصحة. لأن “عين وسارة” إسم أقدم من “بول كازيل”. وهناك العشرات من كتب الرحالة الأوروبيين والمؤرخين في القرن التاسع عشر تذكر اسم “عين وسارة” في القرن التاسع عشر. مع العلم أن معتقل “بول كازيل” أنشئ فقط في خمسينات القرن العشرين.

 350 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *