لمحة عن تاريخ فن المديح الديني بمسعد!!

المديح النبوي هواري عبد الهادي الجلفة مسعد أولاد نايل الجلفة ouled nail

عرفت منطقة مسعد بالجلفة عبر تاريخها بأنها قدمت الكثير من فحول الشعر البدوي العربي. كما أنها كانت حاضرة مشهورة ضمن شبكات الطرق الصوفية وحلّ بها كبار شيوخ الصوفية من أمثال الشيخ السنوسي بنهاية العهد العثماني والشيخ موسى الدرقاوي عام 1831 والأمير عبد القادر الذي بايعته قبائلها عام 1837 ثم رجع إليها ونزل بقصورها وتموّن من مطاميرها في ربيع سنة 1846.

كما اشتهرت منطقة مسعد بمرور قوافل الحجاج المغاربة مما جعلها تحتك بالتراث الصوفي المغربي حيث ينقل الدكتور بشير عمارة عن رحلة الحاج المغربي “أبو العباس بن ناصر الدرعي” سنة 1709 وجود أتباع للطريقة الصوفية الناصرية نسبة للزاوية الناصرية بالمغرب.

وهكذا فإن الحديث عن المدائح الدينية بمنطقة مسعد مرتبط بشعرائها وزواياها وأعلامها سواء من أبنائها أو ممن مروا بها أو سكنوها. فهذا الشيخ “سي عبد الهادي هواري” أحد اشهر “القصّادين” بمسعد وقد اشتهر بالمديح الصوفي القادري. وقد حدثنا عنه صديقه الحميم الراوية “الحاج بلقاسم العمراوي” الذي منحنا بعض تسجيلاته السمعية وأخبرنا أن قصيدة “عدّالة يا عدّالة” من ألحانه … مع العلم أن “عدّالة” هنا في الأصل هي جمع تكسير مثل قولنا “فلاّحة، سوّاڨة، بنّاية، الڨصّارة، …” وقد تحدثنا عن هذه البنية الصرفية “فعّالة” في مقال سابق.

المديح النبوي هواري عبد الهادي الجلفة مسعد أولاد نايل الجلفة ouled nail

                                        القصّاد هواري سي عبد الهادي

والغوص في التاريخ الفني للمديح الديني بمسعد يجب أن يُؤتى فيه على ذكر الشيخ “أحمد بن فتاشة” المدعو “صميدة” وهو شخصية معروفة في مدينتي مسعد والجلفة وللأسف لا تتوفر تسجيلات سمعية أو بصرية عنه رغم أنه قد عاش إلى وقت قريب جدا كانت تتوفر فيه لدى الجميع الكاميرات وآلات التصوير!!

وقبلهما، أي سي عبد الهادي وصميدة، وقبل أن نغلق هذا القوس نشير إلى ابن مسعد الشيخ عبد الرحمن السعيدي (1880م- 1931م) الذي نبغ في العاصمة وسرعان ما صار أحد شيوخ الموسيقى الأندلسية بها.

أما بلبل مسعد “قدور خينش” فقد كان إسما بارزا في “التقصاد” وترك عدة أعمال فنية لطالما خلّد بها التراث الصوفيالعريق بمسعد. ويأبى المطرب قدور خينش إلا أن يضفي بصمته على روائع المديح فمثلا نجد ذلك مجسدا في رائعة “صلّوا صلّوا يا لي حضّار على الهادي كاشف الغمة/ صلاتو تطفي لهيب النار مصباحي في ليلة الظلمة” وهي التي سنتحدث عنها في هذه السانحة …

إنها قصيدة مشهورة ليس لأنها شائعة في المديح القادري بل لأنها لواحد من فحول الشعراء بالصحراء ألا وهو سيدي أحمد بن الحرمة “1835-1924” صاحب الورد القادري من نفطة (تونس) … وهو أحد أقطاب الشبكة الصوفية القادرية التي تمتد ما بين بريان والأغواط ومسعد وصولا إلى الجلفة … فهذه الأشعار والمدائح الدينية كانت متداولة وكانت علامة صلة وتواصل بين هذه القصور …

وكل من يستمع إلى “قدور خينش” وهو يؤدي رائعة “صلوا صلوا يا لي حُضّار” سيجد أنه يفتتحها باستخبار فردي يترنم فيه بالطابع العربي البدوي “ياي ياي” وهما بيتان من قصيدة للشاعر المجاهد الطاهر بلعكف يمدح فيها الشيخ الصوفي سي بلقاسم بن أحمد رحمهما الله. وللأسف لو أن المطرب قدور خينش أدى القصيدة كاملة لصارت مشهورة كإحدى روائع الطابع البدوي الصحراوي الجزائري لأنه أبدع في بيتين منها فقط فما بالك لو كان الأداء للقصيدة كاملة؟ وإبداع “قدور خينش” اكتمل بإبداع صديقه على العود حين صاحبه بطريقة تجعلك توقن أن العود قد سما إلى “الڨصبة” في مصاحبة الغناء البدوي الصحراوي … ولا ندري حقا هل أداها المطرب قدور خينش كاملة أم لا؟ … ليبقى توثيق التراث الغنائي لهذا الفنان مطلبا والأولى بتجسيد ذلك هم أصدقاؤه وأهله بمسعد.

والبيتان اللذان أداهما الفنان قدور خينش هما:

هوّستوني والعقل فايت مسلول *** واذا شفت الزيار دمعاتي سالوا

ڨلّوا ذات الخوني اعليك يظل يڨول *** ڨلبو على الصُّلاّح ثاقب مشعالو

وقد روى لنا الحاج بلقاسم العمراوي مناسبة القصيدة ومنحنا، مشكورا، نصها كاملا وهي فعلا من روائع وعيون الشعر البدوي بالجلفة  وسننشرها كاملة مع المناسبة في موقع “خيمة التراث الشعبي لمنطقة الجلفة“… وناظم هذه القصيدة هو نجل فحل الشعر بمسعد وما جاورها الشيخ سي “أحمد لعكف” الذي لا يفتأ يذكره الشيخ “محفوظ بلخيري” في كل مناسبة ويستشهد به وبأشعاره.
في الختام نشير إلى أن هذا التاريخ الفني بمسعد يجمعها بقصري الشارف وزنينة عن طريق المقاوم الشيخ موسى بن الحسن الدرقاوي وحفيده القصّاد “الشيخ سي أحمد لمين” … فزوجة الشيخ الشهيد موسى الدرقاوي من قصر دمّد وابنتهما هي زوجة “الشيخ بن الصادق العبزوزي” ابن الشارف الذي صار شيخا على الزاوية الدرقاوية بمسعد … والشيخ سي أحمد لمين سكن الشارف وزنينة وهما حاضرتان معروفتان في المديح الديني مثل مسعد … وقد أشار الجنرال لادميرو في تقريره سنة 1849 إلى تلك العلاقة التي تجمع أهل الشارف بمسعد من خلال ترددهم عليها. وأخيرا هناك تراث شعري ملحون هائل بمنطقة مسعد خصوصا وولاية الجلفة عموما يجب أن يجد من يتصدى له بالتوثيق والتمويل في الطبع والتوزيع … وهو مشروع عظيم له أثر عظيم في المنطقة تأريخا وتراثا ودراسة في شتى مناحي حياتها.

 121 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *