عين معبد (ج01)/ “الحيط لعمى” … نمط معماري لحفظ حُرمة المنازل بقصور بلاد أولاد نايل!!

“02 آفريل 1896 … قبل أن نصل الجلفة خرجنا عن الطريق لندخل قرية “عين معبد” التي تجشّم “مكتب العرب” تشييدها لتثبيت قبيلة مرتحلة … المساكن تواجه أزقّة كلها حيطان … ولا نافذة مفتوحة على الشارع … الألوان ضاربة في العروبة ولكن بتأثير يبعث على الكآبة”.
المتحدث هنا هو العقيد الفرنسي “الكونت جورج دوفيليبوا ماروي”، ضابط سامي ينحدر من عائلة فرنسية نبيلة معروفة، جاء إلى المدية بالقطار قادما من الجزائر ثم واصل طريقه بالعربة التي تجرها الأحصنة مما سمح له بالنزول في كل المدن والقرى عبر الطريق لتسجيل ملاحظاته … فكانت هذه الإنطباعات والأوصاف لبنايات قرية عين معبد بنهاية القرن التاسع عشر. ولعل أهم وصف لعين معبد هو انعدام النوافذ على الجدران المطلة على الشوارع.
عند الحديث عن التاريخ الصحيح لبناء قرية عين معبد حاولنا أن نستأنس ببعض الكتابات عنها في المصادر الفرنسية المتوفرة. فنجد مثلا المجلة الإفريقية، في عددها الصادر سنة 1894، تنقل خبرا عن اكتشاف ناب فيل بطول 73 سم. والإكتشاف أعلن عنه النقيب كروشار، رئيس مكتب العرب بالجلفة، وتم ذلك بمناسبة أشغال على حفر رسوبية بقصر عين معبد. وفي قاموس أكاردو للبلديات والقرى الجزائرية، الصادر سنة 1903، نجده يُعرف قرية عين معبد على أساس أنها “قصر قبيلة أولاد الغويني التابعة للبلدية المختلطة الجلفة، 22 كم شمال الجلفة، وأن به مدرسة”، ونحن نعلم أن “قايد” قبيلة أولاد القويني في تلك الفترة هو الباشاغا سي أحمد بن الشريف وبالتالي فإن تأسيس عين معبد مرتبط بهذه الشخصية.
من أجل التعمق أكثر في هذا المضمار المعماري ضربنا موعدا مع الحاج محمد بن شريف بن البشير بن عبد المجيد أحد أعيان ومثقفي عين معبد. وهو مهندس دولة في الغابات، متقاعد وباحث في التاريخ والتراث والأنساب وسبق أن أفادنا كثيرا في شتى بحوثنا. وهكذا كانت جولتنا بعين معبد هذه المرة مختلفة تماما برفقة الحاج “محمد بن شريف” فهو ينقلك بسهولة من عين معبد اليوم، المدينة الكبيرة بمنشآتها وهياكلها التعليمية والصحية والإدارية والأمنية، ويعود بك إلى حوالي 140 سنة خلت …
يقول الحاج محمد أن البحث في تاريخ عين معبد يجعلك تغير نظرتك إليها من مجرد مدينة لتصبح روحها ماثلة أمام ناظريك في جدرانها الحجرية العتيقة وبناءاتها القديمة وما تبقى فيها من نظم الري التقليدية. ويرى الحاج محمد أن عين معبد قد بُنيت بعد سنة 1882 تاريخ تبادل القيادة ما بين سي أحمد بن الشريف “قايد أولاد سعد بن سالم” وسي السعيد بن عبد السلام بن القندوز “قايد أولاد الغويني” حيث انتقل “سي أحمد بن الشريف إلى منطقة عين معبد وهناك قرر أن يبني مدينة بنمط معماري إسلامي وأن يلحق بها مسجدا ومدرسة وأنظمة ريّ تقليدية وأخرى حديثة لتسقي المساكن البالغ عددها 72 مسكنا واسعا بأبعاد 22 متر طولا على 18 متر عرضا، يوجد منها 08 بنايات بمعدل 04 ديار في كل بناية ويتوسّطها جميعا المسجد الذي تحيط به مساحة مأخوذة من السكنات الأربعة المحيطة به.
وقصد إعطاء القرية حُرمتها وطابعها المحافظ تم وصل المساكن الجانبية لتشكل جدرانها الخلفية بمثابة سور يحيط بها. غير أن ذلك لم يمنع بناء مساكن خارج السور ولكنها بنفس النمط العمراني أي بتقنية “الحيط لعمى” وهذا ما شاهدناه ميدانيا في بعض المساكن القديمة خارج القرية الأصلية. ويعطينا الحاج محمد هنا رواية عن أن الباشاغا سي أحمد بن الشريف كان قد وظّف حارسا للقرية ومسجدها ومدرستها وبئرها المجاور للمسجد.
وبخصوص المسجد يرى مُحدّثنا الحاج محمد أنه ينبغي البحث من أجل تحديد التاريخ الصحيح لبنائه قصد تأكيد أو تفنيد القول بأنه بُني سنة 1875. أما الحياة الإقتصادية فكانت تعتمد على الفلاحة والرعي حيث أن البساتين كانت تجود بمختلف المنتجات وعلى المثال نجد أن سي أحمد بن شريف قد غرس الزيتون وكانت له معصرة تقليدية. ويتم تسويق هذه المنتجات في سوق صغير خارج القرية يلتقي فيها سكان القرية مع البدو ليعرض كل منتجاته سواء بالبيع أو المقايضة. وبخصوص موقع هذه السوق يقول الحاج محمد أنه لا يعلم موقعها بالضبط في تلك الفترة ولكن ربما هي المساحة الشرقية الواقعة ما بين القرية والمقبرة مثلما كان الأمر عليه سنة 1981.
وهكذا فإن معيشة سكان عين معبد كانت تتوزع ما بين ديارهم كمسكن ومقر للنشاطات الحرفية المنزلية والفلاحة بالبساتين والسوق والمسجد. أما الأطفال الصغار فلديهم المدرسة العصرية والمدرسة القرآنية. وما تزال المدرسة على حالها إلى اليوم بنفس تصميمها وهي حاليا ملحقة لمركز التكوين المهني والتمهين.

الحيط لعمى …
نعود الآن إلى عين معبد فعندما زارها “الكونت دوفيليبوا” كانت ما تزال حديثة الإنشاء وقد أشار إلى أن القبيلة التي تسكنها يحكمها “قايد” ذكي. ورغم أن القرية قد تم بناؤها بإشراف تقني للهندسة الفرنسية إلا أن الطابع المحافظ للمنطقة قد كان سمة مميزة للمساكن. فكلّ دار لديها باب فقط للولوج إليها وليس لها نوافذ تطل على الشوارع فكانت ميزة كل شارع أنه يطل عليه “حيط أعمى” … فماهو أصل هذا النمط المعماري؟
لا يمكن أن نفصل الدين الإسلامي عند الحديث عن الهوية المعمارية لمنطقة الجلفة لأن سمة المحافظة والعفة على الحريم دوما هي ما يطبع معيشة قبائل بلاد أولاد نايل. فإذا نظرنا إلى حياة البدو الرحل مثلا نجد أن الخيمة تكون دوما في اتجاه القبلة في حين أن أي شخص غريب عن الخيمة مطالب بأن يأتي من الجهة الغربية أي “الظهرة”. وهذا من مظاهر الحرمة والغيرة على العرض و”الحجبة” أي يحجب نساءه عن الرجل الأجنبي. وهذه الحرمة والغيرة نجدها حتى في “المرحول” أي القافلة لما تكون مرتحلة ولم تنصب خيمها حيث يُصنع الهودج “الباصور” لتكون داخله النساء البنات البالغات أثناء سير القافلة. أي أن حماية الحرمة والغيرة على النساء هي سمة ملازمة للعربي في هذه الربوع سواء كان مقيما في بيت من الطين والحجر أو داخل خيمة أو في قافلة سفر …
وبالمثل مع عين معبد كبلدة حديثة سنجد أن القصور العتيقة لبلاد أولاد نايل تتضمن هذا العنصر أي “الحيط لعمى” الذي لا توجد فيه نافذة. ومثال ذلك قصور عمورة ومسعد والنثيلة والمجبارة. وإن وُجدت نوافذ فإنها مجرد تعديلات حديثة أدخلت على البناء بالنظر إلى تغيّر الجانب المعماري داخل الديار والإكتظاظ الذي صارت تشهده البلدات والمدن. وسنعود في المقالات القادمة بحول الله لهذا النمط المعماري المحافظ للسكن الواسع بلا نوافذ خارجية من خلال صور لمدن عين وسارة والإدريسية “زنينة” والشارف وعامرة وغيرها. 
ختاما … إذا كانت الحاجة إلى نوافذ خارجية للمنزل تعود إلى التهوية أو ضوء الشمس فإن البناءات العتيقة بلا نوافذ كان يعوضها تصميم المنزل من الداخل. فالمنزل يكون واسعا وبه فناء “حوش” تسطع عليه الشمس لأطول فترة ممكنة خلال النهار …

بن سالم المسعود / عطية عيساوي

أول مخطط لقرية عين معبد الأصلية

نمط معماري، مخطط عين معبد، الجلفة، أولاد نايل، ouled nail

مساكن بلا نوافذ، بلدة عين معبد

   

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-عين-معبد

مساكن بلا نوافذ، قصر مسعد

مط معماري جدار أعمى، أولاد نايل، الجلفة، مسعد

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-مسعد

مساكن بلا نوافذ، قصر المجبارة

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-المجبارة

مساكن بلا نوافذ، قصر عمورة، صور حديثة

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-عمورة

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-عمورة

مساكن بلا نوافذ، قصر عمورة، صور قديمة سنة 1906

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-عمورة Ouled nail

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-عمورة Ouled nail

مسكن بلا نوافذ، النثيلة

نمط-معماري-جدار-أعمى،-أولاد-نايل،-الجلفة،-النثيلة Ouled nail

 748 المشاهدات,  5 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 1

  1. بارك الله فيكم ووفقكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *