“سي محمّد بن المسعود زرڨة” … العلواوي صاحبُ الأربعةَ عشرةَ مِحْبَرَةً!!

التراث العربي الهلالي الإدريسي التعليم القرآن Ouled Nail أولاد نايل

إذا تحدّثنا عن بيت الطُّلبة بمنطقة (ڨندوزة) علينا أن نتحدّث عن سي محمّد بن المسعود زرڨة وما أدراك ما سي محمّد بن المسعود: الرّحّالةُ والخطّاطُ والنّسّاخُ والفقيهُ. حمل القرآن الكريم في صدره، ومعلّمهُ، صاحبُ المقرأة المتنقّلة في أقطارَ كثيرةٍ في الوطن الجزائريّ، والذي درس في “الزّيتونة” حسبما حدّثني به أحد المشائخ الكبار الموثوق بروايتهم.
وُلد تقديرًا حوالي عام 1840م بمنطقة ڨندوزة، وبحكم الفقر والحاجة كان يجوب الأقطار والنواحي الجزائريّة، وممّا حدث معه قصّةٌ حزينةٌ في شبابه، وقد أثّرت فيه كثيرًا، وهي أنّه كان مسافرًا مع إخوته الأربعة في ضواحي عنّابة على الحدود التّونسيّة، وهذا في حوالي السّنوات العشر الأخيرة من القرن الـ 19م، فطلبوا منه أن يتفقّد أحوال المنطقة هنا في” قندوزة ”، ويأتيهم بأخبارها، فجاء سي محمّد، ثمّ قفل راجعًا إليهم، فلم يجد لهم أثرًا، وتعقّب أثرهم، وعندما سأل السّاكنين هناك أخبروه أنّهم دخلوا الأراضي التّونسيّة، وقالوا له إنّ أحد الأربعة الذين تبحثُ عنهم قد تُوفّي ودلّوهُ على قبره، فاطّلع عليه ليعرفهُ، وبقي الثّلاثةُ الذين تاهوا في الأرض، وبقي سي محمّد يبحث عنهم أيّامًا ولياليَ، ولمّا ضاقت به السُّبلُ، وظروفهُ الاجتماعيّة القاسية قرّر العودة إلى مسقط رأسه بقندوزة …
العودةُ إلى مسقط رأسه
في نهاية القرن التّاسع عشر وفي سنيّه العشر الأخيرة يعود سي محمّد بن المسعود إلى ڨندوزةليؤسّس مدرستهُ القرآنيّة، والتي درس فيها أغلب المشائخ كبار السّن. وقد تزوّج من امرأة من أبناء عمومته، وعقّب خمسة أبناء، منهم ثلاثة ذكور؛ وهم على التّرتيب: “سي المسعود” و”سي أحمد” و “سي محمود” وثلاث بنات هنّ: حليمة .., بختة .. و محجوبة، وقد أخبرني حفيدهُ سي لهلالي رحمهُ اللّهُ بأنّ جدّهُ سي محمّد بن المسعود قد تزوّج بالشّرق الجزائري قبل زواجه هذا، وأنّه طلّق زوجتهُ، ورجع إلى مسقط رأسهِ.
سي محمّد بن المسعود مقرئا بزاوية سي محمد بن عبد الله الشرشاري
في هذا الوقت كانت زاوية “محاد بن عبد اللّه الشّرشاريّ” موطنًا، العلواويّ نسبًا، تستقطبُ الطّلبةَ من كلّ فجٍّ وصوبٍ، وقد ذاع صيتُها في ضواحي الجلفة وخارجها، ولمّا علِمَ “محمّد بن عبد اللّه الشّرشاريّ” قدر وعلوّ “سي محمّد بن المسعود زرڨة”، دعاهُ إلى الإقراء والتّعليم بزاويته وقرّبهُ إليه، وكانا متلازميْن تلازم الظلّ لصاحبهِ، وقد كانت طريقتهُ في تعليم القرآن على نهج المغاربة بكتابة القرآن على شكل أثمان أو أرباع في الألواح وبعد أن يحفظ الطّلبةٌ يعرضون ما حفظُوهُ، ثمّ يمحون الألواح، وهكذا إلى ختمه، أو ما يُسمّى بـ “السّلكة” ثمّ يشقّونهُ مرّة أخرى بُغية حفظهِ جيّدًا …
وللتّنبيه فإنّ “سي محمّد بن المسعود زرڨة” و”سي محمّد بن عبد اللّه شرشاريّ” كانا يتنافسان كثيرًا في المسائل الفقهيّة على مذهب الإمام مالك_رضي اللّه عنهُ.
سي محمّد بن المسعود زرڨة النّسّاخ الخطّاطُ
عكف “سي محمّد بن المسعود” على النّسخ والخطّ، وله مصحف شريف بخطّ يديْه، ومخطوطات كثيرة في الفقه والنّحو والبلاغة، وللّهِ درُّ القائل :
الخطُّ يبقى زمانًا بعد كاتبه *** وكاتبُ الخطّ تحت الأرض مدفونُ
وقد أخبرني والدي “مبارك عويسي” أنّ “سي محمّد بن المسعود” كانت له أربعة عشر مِحبرةً للنّسخ والخطّ وكان يستظلُّ تحت شجرة، ولا يقوم إلّا للصّلاة … أخبره بذلك مشائخ كبار من منطقة ڨندوزةأدركوا الشّيخ ودرسوا عنده. وقد ضاع منها الكثيرُ بسبب الحلّ والتّرحال، وأحوال الدّهر والزّمان القاسية والصّعبة والفاقة والفقر التي كانت أكبر عائق لهم، وخاصّة وأن طبيعة الجلفة مناخها صعبٌ وشتاؤها قرٌّ ولسع برد، وصيفها لفحُ الرّمضاءِ والهجير.
وفاة سي محمّد بن المسعود
توفّي “سي محمّد بن المسعود زرڨة” عن عمر ناهز الثّمانين عامًا كانت كلّها عطاء وإقراء وتعليما وخطّا ونسخا وذلك سنة 1921م.
تُوفّي سي محّمد وهو يصلّي صلاة الظّهر، ويقولون إنّهُ أمر رجلًا ليُحضِرَ له الكفن قبل وفاتهِ … حدّثني بذلك والدي عن جماعة من المشائخ ممّن أدركوا الشّيخ سي محمّد بن المسعود ودرسوا عندهُ .. وأخبرني أنّهُ دُفن بمنطقة في الشّرق الجزائريّ يقال لها ”شناڨير بن طالب“ بضواحي ولاية أمّ البواقي، أو ولاية المسيلة، واسم المقبرة ”معفر“ ….
مات “سي محمّد بن المسعود” الرّجل المتعفّفُ الورعُ الزّاهدُ الذي عاش مُعلِّمًا للقرآن وناسخًا للكتب والمخطوطات. ولم يترك من متاع الدنيا شيئا يتنازع عليه أولاده إنما ورّثهم ميراث الأنبياء وهو العلم.
قال النّبيّ عليه الصّلاةُ والسّلام “… وإنّ العلماء ورثةُ الأنبياء وإنّ الأنبياءَ لم يُورّثوا دينارًا ولا درهمًا،إنّما ورّثُوا العلم، فمن أخذهُ أخذ بحظٍّ وافرٍ” رواهُ أبو داود والتّرمذيٌّ وصحّحهُ الألبانيُّ،
وقد خلفهُ في الإقراء والتّدريس أبناوهُ “سي المسعود” و”سي أحمد” و”سي محمود” هذا الأخير الذي نبغ كثيرًا و قد كان علم زمانه …
رحمهُم اللّهُ جميعًا برحمتهِ الواسعةِ وأسكنهُم فسيح جنّاتهِ في علّيين مع الأبرار الذين أنعم اللّهُ عليهم، وأعلى مُقامهُم، وجعلهُم من ورثة جنّة النّعيم أُكُلُها دائمٌ وظلُّها في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ، وعفا عنهُم وغفر لهُم ما تقدّم من ذنبهم وما تأخّرَ …
من قلم الأستاذ “إسلام عويسي”.
بتصرف يسير جدا جدا (عدة خلوفي، بن سالم المسعود)

سي محمّد بن المسعود زرقة الجلفة أولاد بن علية أولاد نايل Ouled Nail تراث عربي إدريسي هلالي (3)

سي محمّد بن المسعود زرقة الجلفة أولاد بن علية أولاد نايل Ouled Nail تراث عربي إدريسي هلالي (3)

سي محمّد بن المسعود زرقة الجلفة أولاد بن علية أولاد نايل Ouled Nail تراث عربي إدريسي هلالي (3)

 109 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *