تراث الحياة اليومية بمنطقة الجلفة … الزينة والتجميل والنظافة!!

أولاد نايل تراث عربي هلالي إدريسي الجلفة

من أشهر ما وُصف به أولاد نايل ما كتبه العلاّمة عبد الرحمان التنيلاني في كتاب رحلته، عام 1816، حين قال “… هُم غاية في الدين والنظافة … هُم أهل وضوء وصلاة ورحمة” … والحقيقة أن هذا الكلام ليس بالغريب عن منطقة لها تراث عريق وثري ومتنوع في أدوات التنظيف والنظافة والغسل والتعطّر. وهذا التراث في النظافة هو سمة الأحياء وهو أيضا سمة في تغسيل الموتى وإكرامهم قبل الدفن.

والحديث في هذا الموضوع ينبغي أن تُستجمع أركانه من لدن الكبار الذين عاشوا حياة البادية. وأيضا من الباحثين المُلمين بالخصائص النباتية لهذه السهوب. وسواء أكان النايلي راحلا (البدو) أو مستقرا (القصور) فإن النظافة جانب مهم في يومياته المرتبطة بالدين (الوضوء والغسل) أوالطبخ وتحضير القهوة أو الشاي أو مختلف المهن والحرف التي تقتضي النظافة.

وقبل التفصيل في أدوات النظافة والتنظيف فإنه ينبغي الإشارة إلى مصدرها يأتي من طريقين:

  • الموارد الطبيعية: وهي خيرات الأرض من نباتات أو ما يتم صناعته كما سيأتي بيانه في هذا الموضوع.
  • التجارة: أي تلك التي يتم اقتناؤها من الأسواق. مع العلم أن أولاد نايل كانوا مشهورين بقوافلهم التجارية التي تجوب شتى أسواق التل والشرق والتيطري. فضلا عن أن موقع المنطقة بوسط الجزائر شجع على التبادل والتواصل مع شتى أنواع القوافل واكتساب المعارف والتقنيات المختلفة في الحياة اليومية. وجدير بالذكر هنا أن أولاد نايل كانوا يحتكرون مقطع “التيطري – متليلي الشعانبة” من الطريق التجاري المشهور نحو قصور توات وتومبوكتو وبلاد السودان، ونفس الأمر بالنسبة لطريق المملكة المغربية – المشرق العربي.

نظافة الأواني والعتاد

وتأتي عشبة “الشنان”، التي تسمى أيضا “الهرمك”، على رأس النباتات السهبية التي لها خاصية الأملاح القاعدية (القلوية). ويتم استعمالها لإزالة الدسم والشحوم. ويتم ذلك بهرس أوراق هذه النبتة واستعمال المستخلص مباشرة مما ينتج عنه صوبنة.

كما قد يُستعمل الرمل أو التراب مع الماء لتنظيف الماعون مباشرة لا سيما بالنسبة للرّحّل. أما أدوات التنظيف لحك الأواني فهي إما الحلفاء أو السُّنّاق التي هي ألُيَن وأفضل من الحلفاء.

وبالنسبة للأواني المعدنية فيُستعمل الرماد الذي يعطيها لمعانا. وقد يكون الليمون هو البديل أيضا لا سيما بالنسبة للأواني النحاسية (يسمى الليمون باللغة البونيقية القارس).

الزينة والتجميل ونظافة البدن 

ساهمت التجارة في بلاد أولاد نايل في توفير أدوات النظافة فنجد أن عرب هذه الربوع قد عرفوا “صابون الحجرة” أو “صابون الطرف” بفضل الأسواق والعلاقات التجارية ولعل أهمها سوق بوسعادة أين يوجد فيه 40 ورشة لصناعة الصابون حسب الإحصاء الوارد في “الدليل العام للجزائر” لسنة 1858.

وبالنسبة لتنظيف الأسنان فنجد أن النساء يستعملن “المسواك” الذي له خاصية تقوية اللثة وتطهير الفم وتزكية رائحته وتبييض الأسنان وتحمير الشفتين كمظهر للزينة. و”المسواك” ماهو إلا لحاء شجر “الجوز” وهو أيضا متداول بهذا الإسم بالمنطقة. ولا ندري إن كانت بساتين قصور أولاد نايل قد عرفت هذه الشجرة المثمرة على غرار الأشجار المثمرة التي اشتهر بها.

كما كان “الفحم” معروفا هو الآخر لتبييض الأسنان بالنظر إلى الغطاء الغابي وشيوع حرفة صناعة الفحم.

ونجد في المصادر الفرنسية، لأربعينات القرن التاسع عشر، تفاصيل عن الأسواق والسلع. ويُذكر هنا مساهمة القوافل التجارية وقوافل الحجاج والمنتجعون في وصول العطور بأنواعها إلى ربوع أولاد نايل. كما أن تجار أولاد نايل كانوا معروفين بترددهم على أسواق الصحراء مثل غارداية ومتليلي الشعانبة والأغواط وتڨرت وبوسعادة وسيدي خالد وسانڨ بالمدية والمسيلة وغيرها.

وبالنسبة لزينة النساء نذكر على سبيل المثال هناك زيت العطرشية الذي يستعمل على الشعر وله خاصية عطرية. ويستخرج من نبتة “العطرشة Pélargonium” التي تُستزرع.

كما اشتهرت المنطقة بصناعة “السخاب” وهو قلادة عطرية لزينة النساء لها رائحة زكية ويُنع من عجن “العنبر” مع نباتات عطرية وهي “الڨمحة والقرنفل والتارة”.

وأشهر مصدر للعطور كان من تونس خصوصا من بلاد الجريد التي تصل سلعها إلى سوق متليلي الشعانبة مع سلع قابس وغدامس. كما أن أولاد نايل كانوا يقتنون كل فائض السلع في سوق بوسعادة وينقلونها إلى الشعانبة.

والبخور بأنواعه كان له أيضا رواج بأسواق وبيوت وخيم بلاد أولاد نايل. وقد لعبت التجارة دورا كبيرا في توفيره. وعلى سبيل المثال تحكي الجدات أنهن في الأفراح والمناسبات يتبخّرن على “بخور العرڨ” و”المسكة” الذين يُرشّان بـ “الريحة”.

ويُذكر هنا أيضا الطين الأخضر “الطْفُل” كسلعة وأنه بمثابة “صابون” متداول بأسواق الصحراء. وهذه السلعة معروفة إلى اليوم للزينة بالنسبة للنساء لا سيما بشرة الوجه الدهنية.

تنظيف الصوف

القشقشة: وتعرف علميا باسم “Saponaria officinalis” وهي نبتة لها خاصية الصابون من حيث تشكل الرغوة والتنظيف. وتستعمل على الأغلب في تنظيف الصوف في شتى المراحل ليكون صالحا للغزل والتلوين (القطسة) والنسج.

 283 المشاهدات,  2 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 1

  1. عبد الرحمان

    رائع، بارك الله فيك دكتور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *