بقلم أ. عمر بن سالم/ مآثر … حكاية المصفى بن العورا!!

خيمة-أولاد-نايل-الجلفة،-التراث-العربي،-البيت،-ouled-nail

مارست  قبائل أولاد نايل الظعن، خاصة أولئك القاطنين منهم جنوب مدينة الجلفة حيث المناخ شبه صحراوي، فإذا انتهى الربيع واقفرّت الأرض من عشبها وكلأها، انتقلوا إلى الشمال الغربي، أو ما يعرف ببلاد التل، إلى تيسمسيلت وتيارت وما جاورهما … فيصلونها وقد أتم أهل تلك البلاد حصادهم، وتُترك الأراضي لترتاح بما بقي فيها من قصب السنابل فيكتري المَوّالون من أولاد نايل ذلك الباقي ويقيمون هناك فترة الصيف ترعى مواشيهم ويكتالون ما يحتاجون ثم يعودون لمضاربهم لباقي العام أو ينزلون الى الصحراء أعمق جنوبا …
ولم يكن الحاج  المصفى (وهكذا يُرخم اسم المصطفى عندنا) يختلف في حله وترحاله عن بقية قبيلته من “أولاد سعد بن سالم” ممن سكنوا منطقة عين الإبل وضواحيها وهو من أهل المال فيهم والجاه والرجولة والوقار والكرم، ولقد اختار لمصافه هذا العام فيالار- تيسمسيلت، وانتقل بقافلته وماشيته اليها. وكم كان الموكب جميلا يذكّرك بطقوس الظعن والترحال عند العرب حيث الجمال بهوادجها تحمل النساء والأطفال ومعهم النوق وقد حملت باقي المتاع من خيام والفرسان بخيولهم وقد انتظم الكل في خط بديع … منظر انقرض الآن ولم نعد نسمع عنه إلا في الحكايا والمسامرات … مع أن القصة التي نحن بصددها كانت بعد الاستقلال بقليل …
بلغ الموكب غايته ووضعت النزلة – وهكذا تسمى مجموعة الخيام التي تقام مع بعضها – ورتبت الخيام وتصدرتها خيمة شيخهم الحاج المصفى وكانت كانها خيمة ملك … وسارع الحاج المصفى بالإتصال بمن عرف بالمنطقة يخبرهم بقدومه ويتفق معهم على الأراضي وكرائها أو منحها وهكذا كان، وقد سعد الناس هناك بقدومه وسارع أعيانهم ومُلاك الأراضي بدعوته إلى بيوتهم فلا شيء أجمل من مسامرة حكيم والإستماع اليه و مضت أيام الصيف سريعا، وآن الرجوع إلى المضارب، وأراد الحاج المصفى أن يرد على كرم أهل المنطقة وأن يودعهم بما هو أهل له، فأمر بالذبائح وأُعدت الجفان وأقام ذلك في خيمته التي أعدها للأضياف وكانت خيمة فسيحة لم يُر مثلها في المنطقة ، وكانت مفروشة باحسن الفرش من زرابي  وبها مطارح ووسائد ومتكئات ،وكل ما يريح الجالس فيها، وكانت بحد ذاتها تحتاج لتوظيبها لأيام ولحملها الكثير من الجمال، حضر الضيوف والمدعوون وأخذوا أماكنهم وأخذوا حظهم من الضيافة والإكرام والمودة وانصرف الجميع بعد أن ودّعوا الحاج المصفى، وعاد هو الى الخيمة ليجد بها أحد الضيوف لم ينصرف … وأحس أنما في نفسه حاجة …
اتخذ مجلسا قربه وأخرج من جيبه علبته الفضية ولَفَّ سيجارا من العرعر، وأخذ أنفاسا ثم خاطب جليسه:
– هل لضيفنا حاجة فنقضيها له؟
– فقال: نعم
– قال: سَل تُجب
– قال: إن انت رجعت لبلدك واستقر بك المقام فانظر فيمن يصنع مثل هذه الخيمة فاشتر لي واحدة مثلها وبمثل جهازها، ومهما بلغ الثمن منها فأخبرني وسأحضر لأخذها.
فنظر اليه الحاج المصفى وتبسم وفهم سر تلك النظرة في وجه الرجل وانبهاره واعجابه بالخيمة، قال له يفعل الله خيرا … وانصرف الضيف …
كان موعد الرحيل مقررا بعد أيام ثلاث … نادى الحاج المصفى في أعوانه وأهله تجهزوا للرحيل وانقضوا الخيم إلا خيمتي دعوها كما هي بفرشها وما فيها من أثاث وجهاز … وحمل متاعه وأرسل لذلك الرجل فارسا يخبره أن أمانته قائمة في مكانها فليرسل من ينقلها له … وانطلق يسبق القافلة وقد تبعته الجمال والهوادج تعلوها …
بلغ الرجل الخبر وصعق … وكانت له سيارة أخذها على عجل وانطلق يقطع الطريق على الحاج المصفى فلقيه وترجّل الرَّجُلان …
– قال: ما الذي صنعت؟ كيف تترك لي ماهو لك؟
– قال: غرض من الأغراض اعجبك فأعطيناك إياه
– قال: ولكني لم أطلب منك ما هو لك وإنما طلبت منك أن تشتري لي مثلها، وكيف ستصنع أنت بضيوفك الآن؟ 
فضحك الحاج المصفى وقال: إن جاءنا ضيف أقمنا له خيمة لليلة حتى ينصرف … وبادر الرجل: سادفع ثمنها فقل لي كم تريد؟ وهنا نظر إليه الحاج المصفى وقال له: هل أخبروك أني تاجر خيم أو أني أبيع ما عندي؟ … أمر أعجبك وأهديناك إياه فخذها ودعني أكمل طريقي … وامتطى جواده ونكزه وانطلق يلتحق بقافلته …
هكذا كان الحاج المصفى … كان إنسانا يعلم أن الأشياء مهما غلا سعرها فهي مجرد أشياء … نملكها ونمنحها  … وتبقى انسانيتنا فوقها …
رحمه الله ورحم كل انسان

 628 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 1

  1. موقف رائع من الحاج مصفى ، هل هو ايثار ؟ ام هي عادة في منطقهم ؟؟؟ ام هو زهد ؟ ام سي مصفى هو من الذين جعلوا الدنيا في ايديهم وليس في قلوبهم ؟؟؟……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *