05 توثيقات نبوية وبيطرية واقتصادية ولغوية-تأدّبية من مثل شعبي واحد بمنطقة الجلفة!!

ثروة المواشي بالجلفة

هذا مثل شعبي وثّقناه عن الشاعر الكبير الراوية محفوظ  بلخيري الذي شرحه وأصّله معنا تراثيا ولغويا ونبويا واقتصاديا. وفي هذا المثل يتداخل التراث البيطري مع التأدب في اختيار الألفاظ كما أنه يحيل على مظهر اقتصادي واقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم … والمثل الشعبي هو:

“كي ڨمّاي الحمير ماهو بطهارة اليد ماهو بالأجرة”

وربّما  مقابله الأقرب بالفصحى هو المثل الشائع “إنك لا تجني من الشوك إلا العنب”.

يوثق هذا المثل حرفة “الڨمّاي” أي الذي يقوم بإخصاء الدابة كالثور أو الجمل ليصير بدنها أقوى على الأعمال اليومية كالحرث أو نقل المتاع أو السفر. وهذه الحرفة تتضمن أيضا إخصاء الذكر من المواشي أجل التسمين لذبحها. وهذه الحرفة معروفة وتسمى بالعربي الفصيح “الإخصاء” أو “الوجاء” وبالعامية هي “الڨماية”. أما الصفة “مخصي” فهي “مڨمي” والميم الأولى تُنطق بالإمالة أي ما بين الكسر والفتح.

ويقول الأستاذ بلخيري محفوظ أن “الڨمّاي” ينال أجرته عن الدواب التي يخصيها لأن في ذلك فائدة لصاحب الدابة سواء للتسمين للذبح أو لتقويتها لأداء الأعمال الشاقة كالحرث والنقل. وفي هذا الصدد يقول الشيخ محفوظ بلخيري (هناك لفظ “القراسي” في العامية ويعني “عظيم الجثة السمين” كذالك الحمار عندما يسمن يكون كثير الشرود لذلك لايستفاد منه ولهذا لا ينال “ڨماه” الأجرة).

وإذا بحثنا في الأصل العربي لكلمة “الڨمّاي” فإننا سنجدها صيغة مبالغة “فعّال” لأصل الفعل الفصيح وهو “قمأ”. والفعل “قمأ” تتفق كل المعاجم العربية القديمة على أنه يعني بالنسبة للحيوان السمنة كقولنا “أقمأت القوم” أي سمنت إبلهم. وهكذا فإن الصيغة الفعلية “فعَّلَ” لكلمة “قمأ” هي قمّأ بمعنى “سمّن” ولكن بطريقة الإخصاء. وهي تختلف عن الكلمة العامية “ڨرس و ڨرّاس” أي الذي يسمّن مواشيه بالأكل كي يبيعها و”التڨراس” يكون لذكر وأنثى المواشي عكس “الڨماية”، ولعل الأصل اللغوي لكلمة “ڨرس” من كلمة “القُراسية: أي الجمل الضخم” وقد وردت في أكثر من معجم عربي قديم.

ومن خلال الدراسة التداولية لهذا المثل نلاحظ أن أهل المنطقة قد سلكوا فيه طريق التأدب والفأل الحسن. فنجدهم يتعففون عن ذكر أي كلمة تشير إلى الإخصاء مثل “التعقير- العڨار أو التعقيم أو الكي- الكوّاي أو الخصّاي” بل استعاضوا مباشرة بكلمة تشير إلى الغرض المحبوب من ذلك وهو “تسمين الشاة” ولهذا أطلقوا على الحرفة إسم “الڨماية”.

وبالعودة إلى هذه الحرفة سنجد أن تتوافق وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ضحّى بكبشين ولم يذبح إناث الماشية وفي ذلك فائدة اقتصادية وهي الحفاظ على ثروة الأغنام. ويقول الشيخ محفوظ بلخيري في هذا الباب أن “الڨماية” بالنسبة للماشية تسمنها وتعطي ذوقا للحم وتنزع عنه الرائحة الكريهة خاصة بالنسبة للتيس، وتجعلنا نتجنب ذبح الإناث من الغنم كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.

 61 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *