ملامح تشريعية في وصيّة حبوس مصحف المسجد العتيق بزكار سنة 1305هـ/1887م

وصية حبوس مصحف بالمسجد العتيق ب زكار

خلال زيارتنا للمسجد العتيق “سيدي محمد الشارف” بمدينة زكار، من أجل معاينة أقدم مصحف، لفت انتباهنا الوصية المكتوبة من صاحبه “سالم بن قسمية المايدي” لكي يجعله حبوسا على المسجد.

وقد جاء نص الوصية لصاحبها “سالم بن قسمية المايدي” الإشارة إلى طبيعة الحبوس وأنه لا بيع ولا شراء للمصحف المذكور وأنه لا يدخل ممتلكاته التي تؤول لورثته وأنه يقصد بهذا الحبوس “وجه الله العظيم وثوابه وأن من “بدّل وغيّر فإثمه على الله”. ويبدو أن صاحب الحبوس كان في سن الشباب حيث ترد عبارة “الشاب المكرم” كما يبدو أنه قد شهد على الحبوس 04 شخصيات على الأقل حسب النص “… أعلم وأنظر سيدي العربي بن أحمد **** انبو سعاد والسيد عبد الله بن *** علي بن اسليم وسيدي احمد بن زبيدة…”. 

ويُفهم من نص وصية الحبوس أنه كان يوما مشهودا تاريخ تحريرها. كما يُفهم أيضا أن أهل قصر زكار لديهم تقاليد في تحرير العقود والوصايا وأن لديهم رصيدا شرعيا في ذلك بدليل صياغة الوصية التي فيها نصوص قانونية مانعة وصارمة تمنع أي تصرف قانوني آخر كالبيع والشراء والميراث. فضلا عن نوع الحبس حيث وصفه صاحبه بأنه حبسه “حبسا تاما مباركا عاما” أي لجميع رواد المسجد وهو ليس حبسا خاصا قد يكون مثلا متعلقا بالإمام أو الطلبة.

وقصة المُصحف تشير الى أن أحد المغاربة قد أصابه مرض أقعده المرض  وجعله يتخلّف عن ركبه. وقد كان السيد سالم بن قسمية المايدي يقوم على شأنه ويرعاه ولاحظ أثناء ذلك أن الضيف يضع في قلمونته (غطاء الرأس) مصحفا يفتحه بين الحين والآخر. وعندما شُفي الحاج المغربي طلب منه السيد “سالم بن قسمية” أن يبيعه المصحف فتم الأمر بشراء المصحف من طرف السيد سالم الذي قام ببيع عِجلين آنذاك لتوفير الثمن. ولكي يرفع السيد سالم بن قسمية الحرج عن ضيفه المغربي ويبدي رضاه عن الصفقة قام بذبح كبش وتنظيم وليمة على شرف ضيفه قبل عودته الى مملكة المغرب. وهذه الرواية تعطينا فكرة شاملة عن أهمية وندرة المصاحف آنذاك واستعداد الناس لبذل أموالها مقابل شراء مصحف، وكذلك أخلاقيات الضيافة وكرمها وأصالتها واحترام حملة القرآن الكريم.

المصحف كما تناولنا في مقال بـ “الجلفة إنفو”، هو هدية من حاج مغربي أقعده المرض عن مواصلة الطريق مشرقا فاعتنى به أهل قصر زكار. ولأن المصاحف كانت بقيمتها لأنها تنسخ فقط ولم تكن الطباعة شائعة آنذاك فإن صاحبه قد اقتناه من الحاج المغربي بعد أن باع عجلين أي أنه بذل فيه ما قيمته اليوم 20 مليون سنتيم وهو ما يحيل على قيمة  اجتماعية لسكان زكار حول تقديس الدين الاسلامي واستعداد أهل المنطقة لبذل أموالهم لشراء الكتب وتعمير المساجد بها. كما تكمن القيمة التاريخية للمصحف في كونه دليلا ماديا على مسار الحجاج المغاربة وكذلك أوضاع التعليم القرآني بالمنطقة نهاية القرن التاسع عشر. أما أهم قيمة فهي الجانب الحضاري الذي يحيل على أن المنطقة ليست معزولة عما يحدث بالعالم بدليل أن قوافل الحجاج كانت تضم العلماء والسلاطين ورجال الفكر والقضاء والأدب والطب والتجارة والحرف مما يحيل على احتكاك حضاري له شواهده التي ينبغي أن تُستقرَأ ويُنبش عنها.

وصية حبوس مصحف بالمسجد العتيق ب زكار

وصية حبوس مصحف بالمسجد العتيق ب زكار

مصحف المسجد العتيق بزكار

                                 مصحف المسجد العتيق بزكار

 33 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *