مصطلحات لتأريخ الأحداث في الذاكرة الشعبية لمنطقة الجلفة

فرسان أولاد نايل

هذا سرد وتحقيق لبعض المصطلحات التي حفظتها الذاكرة المحلية وتداولتها جيلا عن جيل للتأريخ عن عهود وحوادث عرفتها منطقة الجلفة.

عام الهجّة: الهجّة تأصيلها اللغوي العربي من الفعل “هجت النار: اشتعلت وسُمع صوت استعارها، هجّ الرجل أي فر هاربا من ظلم إلى مكان بعيد” … يكفي هذا المصطلح المتوارث وحده لكي نعلم أن “سياسة الأرض المحروقة” للماريشال بيجو قد وقعت فعلا ببلاد أولاد نايل … والحقيقة أن هذا الوصف ينطبق تماما على ما رصدناه في دراساتنا التاريخية عن الحملات العسكرية الكثيرة التي عرفتها بلاد أولاد نايل … قصورا وبوادي … هلاليين وأدارسة … فمثلا الجنرال يوسف قاد حملتين سنتي 1846 و1847 وأحرق في الأولى قصري زنينة وسيدي بوزيد … والجنرال ماري مونج قاد 05 حملات (مارس وجوان 1844 – 1845- 1847 – 1848) والجنرال لادميرو حملة في سنة 1849 … وعشرات الحملات في سنوات 1852 و1854 و1864 والحملات العسكرية كثيرة ضد أولاد نايل من كل الجهات … لهذا نميل إلى مصطلحات “عام الهجة” أو “سنين الهجة” … فحروب الكر والفر والحرق والتهديم (زكار والمجبارة) والمُصادرة والقتل لم تتوقف أبدا ضد هذه الربوع !!

سنين الشر (خلال الفترة 1860ــ 1870): وهي الفترة التي تم فيها اصدار مرسوم تأسيس الجلفة، وقعت فيها انتفاضة بوشندوقة في آفريل 1861 وتأسيس مصلى من طرف الشيخ النعاس كرد فعل على فتح الكنيسة في نفس السنة … ثم اندلاع مقاومة قبائل بلاد أولاد نايل من جديد في ربيع 1864 بالتوازي مع ثورة أولاد سيدي الشيخ … كما شهدت هذه الفترة أيضا زحف الجراد سنة 1867 على بساتين منطقة القصور (مسعد والحنية والمجبارة ودمد وزكار وعمورة وعامرة وعين السلطان وسلمانة وبرج المهاش والنثيلة) … ونضع هنا مقتطفات من تقرير مجلة “مدونة المذكرات الطبية” لسنة 1869:

“قبائل الصحراء نقصت ثروتها من المواشي ومخزونها من الحبوب بسبب الثورات والجفاف والأوبئة  والجراد … الأهالي المقيمون بالأغواط وجدوا النجدة … الطبيب هورست قال بأنهم أحصوا حول الأغواط عددا ضئيلا من النساء والرجال قد ماتوا نتيجة الجوع وتعب الصوم المستمر … الجلفة ضربها الوباء بشدة أكثر من الأغواط … اضطر سكان دائرة الجلفة إلى أن يأكلوا العشب وحب العرعار مع بداية سنة 1868 … لقد ماتت مواشيهم وإبلهم ولم يعُد في مستطاعهم الهجرة جنوبا للهروب من هذا الظرف القاسي … فدخلوا مدينة الجلفة … أما سكان القصور، الذين يعيشون على محاصيل بساتينهم، فإن حالهم لم يكن أفضل، ذلك أنهم وجدوا أنفسهم مع خراب هائل خلّفه زحف الجراد السنة الماضية (1867). تم بناء مأوى للمساكين بمدينة الجلفة ولكن الوفيات المسجلة به كانت مرتفعة … لقد مات به أغلب الأطفال … تم إنشاء مأوى آخر في منزل للأطفال وتقديم عناية وغذاء وعلاج أفضل … ولكنهم سرعان ما ماتوا … فتم إغلاق هذا الملجأ”.

لقد اتهم التقرير أثرياء الجلفة بأنهم لم يقدّموا شيئا غير أنه يمكن القول بأن أثرياء الجلفة آنذاك لم يكونوا يثقون في السلطة المُنصبة حديثا للمحتل الفرنسي. ومن بين الأسباب أيضا نشير إلى ما ذكره التقرير نفسه عن المعاملة الخاصة بالعسكريين الذين أصيبوا بالعدوى. ورغم هذه الصورة السوداوية التي قدمها الطبيب بوشومب في تقرير من أجل تبييض صحيفة الكولون، إلا أنه اعترف في النهاية بوجود بعض أعمال الإحسان من طرف المسلمين.

عام الجراد: تحتفظ الذاكرة المحلية بالجلفة بمصطلح “عام الجراد” للتأريخ للسنة التي يزحف فيها الجراد ويصيب ضرره الإنسان والماشية وبالتالي يضرب اقتصاد أهل المنطقة في الصميم. ومن خلال البحث في الصحف الفرنسية للقرن التاسع عشر سنجد الإشارة إلى أن الجراد قد زحف سنوات 1865 و1866 … وسنة 1867 أين أضر كثيرا ببساتين قصور منطقة مسعد. ونفس الزحف تم ملاحظته في ربيع سنوات 1872 و1873 و1893 ونهاية صيف 1894 ومارس 1899 … ثم سنة 1897 … هذه الأخيرة لعب فيها الباشاغا “سي أحمد بن الشريف” دورا في تجنيد الأهالي من أجل مكافحة الجراد بتخصيص عمال بأجور حسب السجل التوثيقي. وكان الخطر الداهم دوما هو صغار الجراد (المرّادي) الذي يعتبر مدمّرا 100 مرة أكثر من الجراد البالغ. مع العلم أن طريقة المكافحة كانت ميكانيكية سواء ببناء عوازل أو مصدّات ضد زحف الجراد المرّادي أو انتظار الليل لكي يتم غمّ الجراد الطيّار بقماش سميك (الباش) وضربه بالقصب والعصي. وآنذاك لم تكن طريقة المكافحة الكيميائية شائعة أو ربما كانت موجودة وبخلت بها سلطات المحتل لكي ترسّخ تبعية هذه القبائل المقاومة وتضعف من مصدر قوتها !! … وهكذا يبدو لنا أن مصطلح “عام الجراد” يُقصد به آخر مرة زحف فيها الجراد كما هو الشأن في ربيع سنة 2004.

عام الزلزلة: خلال بحثنا وجدنا أن مدينة الجلفة قد ضربتها “هزة زلزالية عنيفة” لمدة 03 ثواني صبيحة يوم الأربعاء 18 سبتمبر 1940 بتوقيت 08:10 سا على حد وصف صحيفة “ليكو دالجي”. هذه الأخيرة قالت بأن “الكثير من المنازل انهارت، العديد من الأسقف تصدّعت … لم يتم تسجيل أي ضحايا”. وقد  أرشدنا السيد “بن غربي كمال” إلى تعديلات طالت جدران قاعة الانتظار بمحطة قطار الجلفة (وضعت قيد الخدمة في آفريل 1921) نتيجة لزلزال ضرب الجلفة. وهذا نقلا عن أبيه المتقاعد من قطاع السكة الحديدية بالجلفة، ويمكن ملاحظة التعديل وهو تقنية التحزيم بالخرسانة المسلحة. وهناك رواية أخرى عن أن كنيسة الجلفة قد تم إعادة تعديل بنائها أيضا بعد زلزال يكون قد ضرب المدينة ولعل المقارنة بين الصور القديمة للكنيسة تبرز التعديلات التي أدخلت في فترة ما على البناء.

عام موت سي محاد بن بلقاسم: قد يُلتبس فيه الأمر بين شيخ زاوية الهامل “محمد بن أبي القاسم الهاملي”  المتوفى سنة 1897. أو بين الولي الصالح “محاد بن بلقاسم بن دنيدينة” المتوفى سنة 1923 أي سنتين بعد وفاة إبنه الشيخ ” سي علي بن دنيدينة”.

1920: عام التيفيس

1921: عام الشر، عام المسغبة

1927: عام القبارة الحمرة

1939: عام الصابة أو عام الصابة الكبيرة. وكلمة “الصابة” في عامية الجلفة تعني الأرض التي صب عليها الغيث. وهي ذات تأصيل قرآني في قوله تعالى “أو كصيّب من السماء” والصيّب هو السحاب.

1940 ــ 1942 عام البون: وكلمة “البون Bon” فرنسية وتعني الوصل. وتحيل على أن التموين بالمواد الغذائية كان يتم عبر نظام التحصيص وإثبات ذلك بوصل عليه اسم الفرقة والعرش واسم ولقب رب العائلة. والمعروف أن الناس بدأت تحتال بإعطاء ألقاب مغايرة لتلك التي عُرفت بها وهكذا بدأت آنذاك تتعدد الألقاب. ويبدو أن التجويع قد جاء بواحدة من نتائجه المفككة للبنية الاجتماعية باستعمال اللقب. وموضوع الحالة المدنية والألقاب مازال يحتاج إلى البحث وأهم مثال عنه هو قبيلة أولاد أم الإخوة التي عوقبت بحرمانها من التسجيل في سجلات الحالة المدنية.

1945 عام التشيشة: نسبة الى الدشيشة التي كان يتم تحضيرها للمساكين وأحيانا كان يُضاف لها نجارة الخشب لأن القمح والشعير كانا شبه مفقودين. كتبت عنه مقالا الأستاذة “مفيدة قويسم” الباحثة في التاريخ. وهو بحث جاد وموثّق يُعتبر من أولى الأعمال التاريخية التي تحدثت عن الجانب الاجتماعي لسكان منطقة الجلفة لا سيما من حيث إثرائه بالشهادات الحية لمن عايشوا مجاعة بداية أربعينات القرن الماضي. وعلى سبيل المثال نذكر ما نقلته الأستاذة قويسم عن خالتي مريم بنت الحسين (75 سنة) التي قالت أنّ أعشاب الأرض كانت مصدر العيش لهم … “ذڨنا كل بنّة … ناكلوا الرقدة والشعير … ونشربوا من القدير”. 

1950 عام العشابة: وفيه أمرت فرنسا موالي أولاد نايل بالتوجه غربا إلى مراعي التل خصوصا تيارت … طبعا هذا لكي تكون حصيلة تربية المواشي وفيرة وبالتالي ضرائب أكبر للاحتلال الفرنسي. وهناك مصطلحان شهيران وهُما “العشابة والعزابة” فالأول يعني الذهاب شمالا كبلاد التل سنة 1950 وعادة ما يكون الركب عبارة عن مرحول يضم كل أفراد عائلة أولئك الرّحّل. أما المصطلح الثاني فالوجهة فيه تكون نحو الصحراء أو مكان قد يشكل خطرا على المرافقين من الأهل (النساء والعجزة والأطفال). ولهذا فالعزّاب هو الذي يرحل دون أهله (أعزبا) مع الرعاة فقط. وهي ترتبط عند أولاد نايل عادة برحلة الشتاء التي يتحول فيها المرعى إلى “عزيب” فيه يرعى ويطبخ وينام ويعيش أولئك الرّحّل.

 85 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *