عڨد ولد النايلية‎ … قصة مكارم الأخلاق التي وثقها الصحفي الطاهر بن عيشة!!

قصة شعبية، الجلفة

تقديم:

هذه القصة نشرها الكاتب الصحفي القدير “الطاهر بن عيشة 1925- 2016″، رحمه الله، في مجلة “الثقافة” التابعة لوزارة الثقافة في العدد 03-04 لسنة 2004. وقد أعدنا كتابة هذه القصة بالحاسوب مع تصرف شكلي خفيف لم يمسّ النص الأصلي في العمق لأن الكاتب وًفّق أيّما موفق في توثيق مكارم الأخلاق ونبل الفرسان والأبطال آنذاك. ويبدو أن هذه القصة حقيقية وليست من قصص الخرافة والأسطورة لأن كل عناصرها لديها شواهد موثقة.

ولقد وجدنا في النص الأصلي اسم البطل مكتوبا “عقد” بالقاف فغيّرناه إلى “عڨد” بالجيم المصرية إستئناسا بالمثل الشعبي عن تنظيم جيش التلي بلكحل حيث يقول “عڨد التلي شكون يردّو”. وسبب هذا التغيير هو أن العناصر الواردة في القصة توحي بأنها وقعت في نفس بيئة التلي بلكحل وهي بلاد أولاد نايل. فالبطل اسمه “عڨد ولد النايلية” واسم “نايل” قديم منذ بني نائل الهلاليين الذين تحدث عنهم ابن خلدون أو منذ عهد سيدي نايل الإدريسي. كما أن القصة فيها الكرم ونبل الأخلاق التي يحافظ عليها سكان بلاد أولاد نايل ويتنافسون فيها امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه”. كما نجد الكاتب يوثق مكان إقامة “عڨد” وهو الأطلس الصخراوي واصفا عڨد بأنه قد قطع الطريق على سكان التل والصخراء … وهذا الموقع ينطبق على ولاية الجلفة التي تتوسط هذه الربوع!! بل إن الغابة وكثبان الرمال التي تتوسط “التل والصحراء” موجودة بنواحي زاغز حاليا سواء الشرقي أو الغربي … 

ويبدو أن القصة تكون قد وقعت في العهد العثماني وفيها من أخلاق العروبة الأولى ما يجعلنا نشعر أحيانا أنها قد وقعت بشبه الجزيرة العربية. ولعل هذه الأخلاق والعادات قد جاءت مع الفتح الإسلامي أو بعده مع الهجرات العربية إلى المغرب العربي. فنجد مثلا بطل قصتنا “عڨد” قد خلع نفسه من قومه كما فعل الشعراء الصعاليك ومنهم الشعراء الفرسان “عروة بن الورد” و”تأبط شرّا” و”الشنفرى”. بل إن “عڨد” يرتجل الشعر، ملحونا، كما سنرى في تفاصيل القصة عندما خاطب أمعاءه الخاوية وهو غرض شعري عن الجوغ يتكرر في أشعار الصعاليك العرب.

ولعل هناك قصصا أخرى عن “عڨد” وأمثاله مازالت حبيسة الرواية الشفوية ولم تُقيّد بعد … ولعل فيها من عيون الشعر ومكارم الأخلاق ما يحضّنا على الإقتداء بما فعله المرحوم الطاهر بن عيشة الذي ترك لنا هذه الدرّة الثمينة.

النص:

كان عمر شابا يتيما، فقد والده وعمره ثلاث سنوات … فكفله خاله، حيث وفر له تربية عالية، فنشأ على الفروسية والأخلاق الكريمة، ولما بلغ مبلغ الرجال، وكانت له ابنة عم تربطه بها علاقة حب وتقدير وكانا عازمين على الزواج من بعضهما، فتقدم من عمه طالبا يد ابنته. فقال العم لا أعارض بشرط أن تطلب من شباب القرية كلهم أن يستعدوا لمبارزتك، واحدا واحدا، فإذا غلبتهم جميعا فهي لك، فقال الشاب عمر لقد قبلت بهذا الشرط.

فدعى عمه بالبرّاح، ليعلن هذا الأمر على شباب القرية ليجتمعوا صباح الغد في ساحة القرية لمصارعة ابن أخيه فتمكن الشاب عمر من التغلب عليهم واحد واحدا، ولكن العم كان غير مقتنع بمصاهرة ابن أخيه، بحيث لم يفرح بانتصاره على كل شباب القرية، فقرر أن يطلب منه أن يأتيه برأس “عڨد ولد النايلية” وبذلك يتم الزواج وإلا فلا …!.

فقبل تحدي عمه، وإن كان تحديا منهكا، لأن رأس “عڨد” غال وصعب. فـ “عڨد” بطل شعبي أسطوري، لا يجاری ، إنه منذ أكثر من عقدين غضب على قومه وقرر أن يستقر مع رعاته جنوب الأطلس الصحراوي، قاطعا الطريق على سكان التل والصحراء، مما جعل المناطق العازلة بينه وبين قومه، غابة عامرة بالوحوش الضارية، والثعابين القاتلة … ولكن الحب المتأجج بين ضلوع الشاب عمر، جعله يستهين بكل الأحوال التي ستعترض طريقه من ضوار، فاتكة، زيادة على قدرات “عڨد” القتالية التي لا نضير لها.

استعد الشاب للسفر فأخذ الزاد اللازم لهاته الرحلة الرهيبة، التي يعرف أولها ولا يعرف آخرها كما يقولون فعلق بندقية وانطلق ينهب الأرض نهبا غير عابئ بالأشواك والصخور المترامية عبر الطريق المهجورة منذ سنين، واستمر السير عدة أيام، إلى أن بدأت الفرس تشعر بالتعب من مواصلة النهار وجزء من الليل وكان الرحلة ليس لها آخر … وأثناء ذلك، كان عمر يغني أشعارا يؤنس بها نفسه ويخاطب فرسة قائلا:

سيري  بینا يا عوده  *** إلى عڨد ولد النايلية واحشوده

إما سعينا راسه *** ولاّ آخذ وجه من باروده

وبينما الفارس ظل مستمرا في قطع تلك الفيافي التي لم تطأها قدم إنسان منذ سنوات طويلة، إذ يخرج أسد هصور من أعماق الغابة الممتدة مالئا الفضاء زئيرا، وكان اتجاهه قطع الطريق على الفارس الذي فهم رسالة الطبيعة فاستعد وما إن دنا منه الأسد حتى عاجله بطلقة رصاص فقضت عليه بسهولة واستمر في مسيره يومين آخرين، حتى عثر داخل أرض دبيل (الأرض التي تلي كثبان الرمال) علی مورد للإبل وفيه كهل ضخم الجثة، أسمر ككل سكان الصحراء توحي سماته بالفروسية والنيل، وكان منهمكا في سحب الماء من البئر. لسقي إبله العطشانة فبادره الشاب بالسلام فرد عليه ذلك الكهل بمثله، ثم سأله:

–  ما جاء بك أيها الشاب إلى هذا المكان المهلك؟

– جئت أبحث على عڨد ولد النايلية

–  ولماذا تبحث عنه ؟

–  قصة طويلة خلاصتها أن عمي طلب مني أن آتيه برأس عڨد مهرا لابنته

– طيب هو ليس بعيدا من هنا وسوف أدلك على المكان الذي يوجد فيه. غير أنه لابد أن أستضيفك عندي هذه الليلة كما تقتضي أعرافنا نحن سكان الصحراء. فما كان من الشاب إلا أن يقبل هذه الاستضافة الكريمة.

وبعد الانتهاء من سقي الإبل عاد الكهل إلى خيامه مصحوبا بضيفه، وما هي إلا لحظات حتى نحر الخروف، ثم حضر الطعام، فأكل الجميع وبعد ذلك خاطب الكهل ضيفه قائلا:

– هيا معي لأدلك على الخيمة التي تمضي فيها ليلتك.

فنهض الاثنان، وفي الطريق إلى الخيمة الصغيرة المعزولة عن بقية الخيام أشار الكهل إلى شجرة بطوم كانت تبدو من بعيد. وقال مخاطبا الشاب:

يتعين عليك أن تقوم مع طلوع الفجر وتغادر الخيمة وتذهب إلى تلك الشجرة فستجد عند جذعها رجلا نائما، ملفوفا في برنوسه الوبري، ورأسه إلى جذعها، إنه هو عڨد ولد النايلية بذاته وصفاته، فاحمل عليه بسيفك وخذ رأسه إلى عمك مهرا لابنته وأنصحك عندما تقوم بهذه العملية ألا تكشف عن وجهه، بل اضربه وهو مغطى ببرنوسه. ولا توقظه من نومه لأنك إن أيقظته ستسبب لنفسك جملة من المتاعب أنت في غنی عنها.

وبالفعل نهض الفتى من نومه. وذهب إلى شجرة البطوم فوجد كما ذكر له مضيفه شخصا ملفوفا في برنوسه الوبري. استلّ الفتی سیفه البتار لينقض على الفارس النائم لحمل رأسه إلى عمه المطالب بذلك .

وفي تلك اللحظة التي كان يجهز فيها على النائم تراجع عن ذلك، وسأل نفسه، أي  فروسية وأي بطولة هذه التي تجيز قتل النانم. إن كنت فارسا حقا، يجب علي أن أوقظه حتى يقف ويحمل سلاحا وبعدها أدعوه إلى منازلة تنهي حياة واحد منا نحن الاثنين.

ولما شرع في إيقاظ التائه بدأ بالكشف عن وجه المغطى بالبرنوس، فوجد المفاجأة التي لم تكن في الحسبان. إن الشخص النائم، هو مضيفه بذاته، إنه هو عڨد بعينه وتبادل الاثنان النظر في صمت قطعه المضيف قائلا لضيفه إضرب بسيفك عنقي .واحمل رأسي إلى عمك !فقال الفتی:

عدلت عن الزواج أصلا. وعزمت على ألا أفارقك بعد اليوم، إن كرمك أغلى من كل حب. إني من اليوم قررت أن أبقى معك، ولا أغادرك وليذهب الزواج الذي هذا ثمنه إلى الجحيم.

فرد عليه قائلا :

هناك حل آخر غير هذا العمل أن نذهب بها إلى قريتكم وقبل أن تدخل إليها ضع حبلا على عنقي، وقل لعمك طلبت مني رأسه فها إني أتيتك به حيا، والحبل في عنقه.

 فرفض الفتى الفارس هذا الحل الذي لا يليق ببطل مثل “عڨد ولد النايلية”. فغيّر عڨد اقتراحه، بأن قال للفتى: هيا اذهب معي إلى قريتك وسوف أتدبر الأمر بنفسي .

فما كان من الفتى إلا موافقته على المرافقة وبالفعل ذهبا معا. ولما دخل القرية، قال عڨد للفتى آتيني ببرّاح، فلما جاءه، قال للبرّاح أخبر أهل القرية بأن عڨد هنا في القرية ويأمركم جميعا بأن تجهزوا أنفسكم ابتداء من الغد للاحتفال بزواج الشاب عمر من ابنة عمه، على أن تحتفلوا بهذا الزواج سبع أيام بلياليها وأن عڨد سيبقى هنا طيلة أيام العرس السبعة. واستمرت الاحتفالات كما اتفق عليه، لیلا ونهارا وفي كل يوم يقدمون إلى عڨد الطعام ولكنه يرفض أن يأكل. فتشاءم أهل القرية من رفض عڨد أكل طعامهم لأن ذلك في نظرهم يعبر عن عدم ثقته فيهم.

وبالفعل فإن عڨد قرر أن لا يأكل طعامهم لأن الطعام عهد فمن أكله وقال بشيء ضد مقدمه، اعتبر خائنا للعهد. وقد كان يجول في ذهن عڨد أن سكان القرية يمكن بعد مغادرته لها، أن يتراجعوا عن هذا الزواج، مما قد يحمل عڨدا على معاقبتهم ولن يتأتى له ذلك. إذا ما أكل طعامهم.

وفي آخر أيام الإحتفالات بالعرس سمع عڨد بطنه “يُغروط” ، من الجوع، فخاطب أمعاءه قائلا:

مصارن کرشي ما لكم تتزاڨو *** مليانكم والعز ما يتلاڨو

وهكذا تم العرس في ظل آيات من العز ومكارم الأخلاق

 

 

 152 المشاهدات,  6 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 1

  1. صادقي صليحة

    جمييييييلة جدا 😍⚘⚘⚘⚘⚘

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *