د. تاج الدين طيبي/ عن نعمة (البداوة) وفضلها على (العربية) ..!

كان من نعمة الله تعالى على الجزائر زمن الاحتلال أن وُجِد فيها (عربٌ رحالة) لم يقربوا من (الدنس اللغوي)، ولا اختلطوا بالأعاجم المستوطنين، ولا انصهروا في الشمال حيث ركز المحتل ثقافته وفرضها، و(العربية) مدينة للترحال في البوادي، ولكل الحياة القاسية التي صاحبته في النجاة من لوثة الاحتلال، وفي الحفاظ على (جزالتها) وقاموس ألفاظها، وموروث التقاليد والقيم ومخزون التراث الذي تنوعت مظانّه بين الأدب الشعبي، ومنثور المجالس، وسجلات الفن الشعبي.
ومن المؤلم أن ما فشل فيه الاحتلال من اختراق المجتمع البدوي والتأثير في لغته نجح فيه نظام ما بعد الاستقلال، وساهم تطور الحياة في محو الحياة الفطرية البدوية، وآخر عهدي بـ(القوافل السيارة) كان أواسط الثمانينات، يوم كانت تمر بنا القافلة على هيئتها (أنظر الصورة)، من الغرب إلى الجنوب، وكان مشهدها رائعا رهيبا، وحمولتها متنوعة، ومرفقاتها شتى، وما زلت أذكر الباصور (الهودج) يحمل النسوة، والخيم على متون الإبل، والكلاب تتقدم أو تتأخر، والإبل لا يمنعها السير من التهام ما تجد في طريقها يمنة أو يسرة، وتبقى هكذا حتى تغيب عن الأنظار، ومع القافلة كانت تسير قافلة من (اللغة الخام) آل أمرها اليوم إلى التلاشي.
وأذكر أن جدي وجدتي – رحمهما الله – ما استقرا إلا بعد حياة من الترحال، ومع ذلك بقيت خيمتنا الكبرى تتجدد كل عام من (الفليج) الذي ما زلت أذكر المكان الذي كانت جدتي تنسجه فيه، ومع نسجه كانت اللغة تحفل بمفردات ننسج بها عبارات الحياة وتعاويذها وتعاشيبها، وإن الحسرة لكامنة في قلبي حين أتذكر لغة (بن كريو) و(الشيخ السماتي) و(بن قيطون) و(عيسى بن علال) وروائع (خليفي أحمد) و(البار عمر) وآخرين.
ترى هل يعي الأكادميون وهل تعي الجامعة وهل يعي (العرب) معنى غياب هذا الموروث؟ وهل من سبيل لاسترداد بعضه، أو (أرشفة) مضامينه وتراثه، وهل من سبيل لجمع (الرواية الشفوية) فإن فيها من اللغة والقيم ما تبكي عليه النجوم.
رحم الله تلك الأيام وأهلها، يوم كانت العربية كأسا دهاقا لا تشوبها من العجمة شائبة، ويوم كانت قيم العربية من فروسية وكرم ومروءة ونجدة وعمائم لا تطأطئ إلا حين السجود.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

المرحول

المرحول

 63 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *