بقلم عبد الرحمان قاسمي/ تأصيل إسم بادية “طسطارة” ببلدية دار الشيوخ

بادية تسطارة، دار الشيوخ، الجلفة (4)

من المعلوم أنّ هناك محاولات للسطو على الموروث الشعبي للمنطقة ونسبته الى غير أهله وغير نسبته الأصلية، ومن المعلوم أيضا أنّ هناك محاولات جادّة لتدوين هذا التراث التي تزخر به المنطقة من قبل مجموعة من الباحثين الذين أخذوا على عاتقهم نفض الغبار على صفحة من صفحات هذه المنطقة المهمّشة تاريخيا.
ولا شكّ أنّ أسماء الأماكن ( الجبال، الوديان، المناطق، البحيرات …الخ ) جزء مهم من هذا التراث، وبالرجوع الى بعض التسميّات الأماكنيّة (التوبونميّة) تجد أنّ لها أصلا عربيّا فصيحا أو عثمانيّا بحكم فترة التواجد العثماني وتأثيره الكبير الذي امتدّ حتى المنطقة، أو نجده له علاقة باللغة الفرنسية وهذا بدرجة أقل.
أحد هذه المصطلحات التوبونميّة هو مصطلح “طاسطارة” أو “تاستارة” أو “تاس سطارة” ، وهو مصطلح يُطلق على منطقة بدار الشيوخ ( حوالي 2.5 كم جنوب شرق المدينة).
ولتوثيق هذا المصطلح سنعتمد على 04 طرق: أوّلها التأصيل اللغوي الذي لا نستغني عنه في الطرق التأثيلية الثلاثة سواء من المعاجم أو من كتب التراث العربي. وثاني طريقة هي التأصيل المقارن وهو ما ذهب إليه الأستاذ مزوز عبد الرحمان (مهتم بتراث المنطقة ) أين قارن بين تسمية تسطارة دار الشيوخ و”سوسطارة” بالعاصمة وقسّم المصطلح الى قسمين “تاس سطارة” كما هو الحال بالنسبة كلمة سوسطارة التي يعود أصلها للغة التركية، الجزء الأوّل من هذه الكلمة هو و”تاس” ومعناها الإناء أو الغطاء والقسم الثاني “سطارة أو ستارة” ومعناه الحصن أو القلعة، فيصبح لدينا المعنى الكلّي للكلمة غطاء القلعة أو ستار القلعة.
وهنا وجب أن ننبّه الى ظاهرة سفر الكلمة من لغة الى أخرى فكلمة سطارة العثمانيّة يكون هنا أصلها عربيا فصيحا فكلمة سطارة أصلها ستارة العربية أو الستار. وظاهرة سفر الكلمة بين اللغات معروفة مثل كلمة “كاغد” العربية التي سافرت إلى اللغة العثمانية ورجعت لنا “كاغط” دائما بنفس المعنى وهو الورق الصالح للكتابة.
الطريقة الثالثة التي اعتمدناها وهي طريقة التأصيل التراثي الذي يعتمد أساسا على الروايات الشفويّة. وهو ما أخذناه عن الرّاوي والعارف بتاريخ المنطقة وتراثها الشيخ “قاسمي بن واصل” (المولود 1920)، أطال الله عمره، في إحدى جلساتنا التوثيقية معه عام (2013 ). وقد سألناه عن معنى كلمة “تسطارة” فأسرّ لنا أنّ أصل التسمية مأخوذ من كلمتي “طاس” و”طارة”. والقصة هي أن أحدهم عثر على “طاس وطارة” بالمنطقة”. وهنا نجد أن هذا التوبونيم يشبه تسمية “ڨلتة السطل” والتي لها أصل مشترك عربي-عثماني نسبة إلى حادثة تاريخية لمعركة بين أولاد نايل والمحلّة العثمانية بموقع “الڨلتة” حسب الدراسات المنشورة حول هذا التوبونيم. وهكذا فإن كلمة  “طاس” معناها “جفنة نحاسية” وهي كلمة مسافرة مع الوجود العثماني بشمال إفريقيا … وهو ما يحيلنا على أن المنطقة قد شهدت مرور المحلات العثمانية ولا بأس من الإشارة هنا إلى أن المجلة الإفريقية ثرية بالدراسات التي تتحد عن الحملات العثمانية بربوع أولاد نايل.

والطريقة الرابعة لفهم كلمة “تسطارة” هي التأصيل الجغرافي بحكم الشكل التضاريسي للمنطقة فسلسلة جبال طاسطارة (الضلوع) مع الجبال الشمالية والغربية وصولا إلى “الجعيمة” تحيط  بالمدينة ومعها “تسطارة” بشكل دائري يشبه إلى حد بعيد “الطارة”. وهذه الأخيرة أصلها عربي فصيح وهو “طارة” أي مستديرة كما وردت عن المقريزي في كتاب “المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار” … أو هو أيضا “الطرّة” التي ترد أحيانا لمعنى شكل نصف دائرة كما ورد في معجم “العين” للفراهيدي.

وهكذا فإن ما نخلص إليه هو أن التاصيل الأماكني لاسم “تسطارة” أو “طسطارة” يحيلنا على وجه التشابه الكبير بينه وبين محطّ “ڨلتة السطل” الشهير أي أنه تتداخل فيه اللغة العربية مع اللغة العثمانية وهو ما أثبته التراث الشفوي والتاريخ واللغة والجغرافيا.

بادية تسطارة، دار الشيوخ، الجلفة (4)

بادية تسطارة، دار الشيوخ، الجلفة (4)

بادية تسطارة، دار الشيوخ، الجلفة (4)

 496 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 3

  1. بحث ثري و دسم و مختصر لا افراط فيه و لا تفريط و ترك فيه الباحث بلمحه المستشرف الباب مشرعا لمزيد من الرصد

  2. ما شاء الله طرح ممتاز وموضوعي

  3. سليمان سليمان

    بارك الله فيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *