بقلم سعد بلخيرات/ من مظاهر الحياة ببلاد أولاد نايل خلال العهد العثماني (ج 01)

ظلت بلاد أولاد نائل تشكل المحور الأساسي للأحداث التي عرفها الجنوب الجزائري خلال مختلف الحقب فكانت مركز ثقل للتطورات التي عرفتها الصحراء. ورغم الأهمية التي اكتسبتها هذه الربوع جغرافيا وتاريخيا وديمغرافيا إلا أنها ظلت مهملة وكثيراً ما غمطها النسيان في العديد من كتابات المؤرخين. وسنجد أن ما قد يُكتَب عنها لا يقدم للقارئ صورة واضحة عن أحداث الماضي وتطوراته خاصةً خلال فترة الوجود العثماني في الجزائر الذي سنحاول تناوله في هذا الجزء الأول.
ولا يمكننا أن ننطلق في هذا الموضوع إلا بعد أن نتعرف على الوضع العمراني للمنطقة ومظاهر التجمعات السكانية ونُلم بدورها الهام على جميع النواحي والاصعدة.
تتوزع على مستوى جنوب الجلفة وغربها مجموعة قصور على رقعة واسعة لطالما شكلت مظهراً حضاريا للمعيشة فنجدها وحدة جغرافية وبشرية لها إرتباط تاريخي ومصير مشترك ما بين أهالي القصور المستقرين وقبائل البدو الرحل فتشكّلت بينهم تحالفات حسب تبادل المنافع والمصالح. ويترجم أهمية القصور بالنسبة للقوافل ورود اسمها في كتب الرحلات. ولعل أقدم وثيقة للرحلات الحجازية ذكراً للقصور الجنوبية للجلفة، كدمد وعمورة، كانت سنة 1592م في رحلة إبن أبي محلي الحجية، والتي تزامنت مع القرن الأول للحكم العثماني في الجزائر.
التكامل ما بين البدو وأهل القصور …
والمتتبع لمظاهر هذه الوحدة ما بين البدو وأهل القصور يجد أن القصور كانت طيلة الحكم العثماني بمثابة رمز لإستقلال القبيلة الاقتصادي. فهي تمثل مستودعاً وخزّانا للحبوب والبضائع عبر ما يعرف بـ “المطامير” مما جعل هذه المخازن الواقعة في طريق القوافل أشبه بمرافئ أو موانئ تتوقف عندها وتتزود منها العير حسب حاجتها كقوافل الحجاج أو تلك المنتجعة أو تلك التي تمارس التجارة ما بين شتى الأقطار.
لقد كان لكل قبيلة مخازنها الخاصة في القصور وتؤخذ منهم إتاوة لصالح “الطمّارين” متمثلة في نسبة من الحبوب كمقابل للتخزين والحراسة تسمى “الرّتبة”، تُنطق بإمالة الراء، ونتيجة لذلك قامت علاقات كثيرة ما بين المجتمع الفلاحي الحرفي المستقر في القصور وبين تلك القبائل  المتنقلة الإدريسية والهلالية في الهضاب والصحراء.
تبلورت تلك المعاملات على أساس تكاملي يظهر في تقاسم العمل والمقايضة والمبادلات والحماية مما أضفى مظهراً للتماسك والتكافل الاجتماعي. وتأتي عدة عوامل وثّقت هذه العلاقة فكان لابد للقبائل المتنقلة أن توفّر لنفسها مخازن آمنة من السلب وأطماع القبائل المعادية. ووصل الأمر إلى أن البدو يودعون أغراضهم الثمينة عند أهل القصر. هؤلاء أيضا لا يمكنهم الإستغناء عن البدو سواء كونهم يمثلون وسيلة إتصال بين القصور أو مصدراً لدخل بالغ الأهمية من عائدات بيع منتوجاتهم الحرفية أو الفلاحية كثمار بساتين من مشمش ورمان وتين وغيرها.
لقد كان البدو يجدون دائما في القصر مكاناً آمنا لتخزين الحبوب والأعلاف ومستودعاً لكل ما ثقُل حمله على الرحل من أمتعة وأغراض ثمينة.
عمارة القصور الصحراوية بمنطقة الجلفة 
الملاحظ أن تخطيط نمط بناء القصور غالبا ما يكون بسيطاً وأن المادة المستعملة في بنائه هي الطوب اللبِن المكوّن من التبن والطين. أما التسقيف فيكون عادة من سعف النخيل والقش والقصب وجذوع الأشجار لتوضع فوقهم طبقة سميكة من التراب الكلسي لخواصه المميزة في منع تسرب مياه الأمطار ومقاومة عوامل الطبيعة، أما أسوار القصر فتُبنى بالحجر لمتطلبات دفاعية محضة وأغلبها يشرف على مرتفعات لتكون ملجأ آمنا للسكان وحصناً طبيعياً منيعاً خلال فترات الحروب والفتن سواء من قبل العشائر المعادية أو من قبل حاميات البايلك وفرسان المخزن … فالتاريخ يروي لنا دوماً أحداثاً عن محاولات هجومية أو تخريبية للقصور مثل ما حدث بقصر “زنينة” خلال حملة الباي محمد الكبير التي دونها أحمد إبن هطال سنة 1785م.
ويمكن اعتبار القصور صرحاً عمرانيا وتعليميا وتجاريا في آن واحد بما توفره من مساكن لأهلها بالإضافة إلى المسجد أو الزاوية، تلك المؤسسة التعليمية والمنارة الروحية التي تستقطب طلبة ومريدين أو مزارا لولي صالح. وهاهو الحاج المغربي السجلماسي يتحدث عن “عبد المجيد” أن فيها قبرا عليه بناء يقال أن صاحبه يسمى عبد المجيد وهاهو الناصري أيضا سنة 1709م يقول عنه إنه رجل صالح ويسمى “سيدي الشارف المجيد” مثلما يذكر “سيدي أحمد بن حرز الله” المدفون بدمد سنة 991هـ، فضلا عما نعرفه من أضرحة منتشرة بقصري الشارف وزنينة.
لقد اهتم القصوريون ببلاد أولاد نائل بالتعليم الديني فانتشرت الكتاتيب وكانت غالبا ما تُلحق بالجامع. ويُعتمد في هذه المدارس القرآنية على الألواح الخشبية والأقلام المصنوعة من القصب والدواية  (أي الحبر) المصنوعة من الصوف المحروق يضاف اليه الصمغ وقليل من الماء. كما تُستخدم أحجار الصلصال لمحو الألواح من الكتابة المحفوظة أما معلم القرآن أو “الطالب” فهو يحظى بمكانة عالية ومرموقة عند أهل القصر.
التجارة والفلاحة بالقصور …
عند الحديث عن استقرار المعيشة بالقصور لابد من الإشارة إلى أحد أهم أسباب ذلك هو احتواؤها على مصادر المياه الجوفية الضرورية للحياة. سواء وفرة العيون بها أو الآبار التقليدية أو نتيجة لتموقع القصر على ضفة وادي جاري. فبساتين القصور تُدين بوجودها  لمصادر الماء ولنأخذ كمثال قصور دمد ومسعد الواقعة بواد “الحميضة” الذي هو أحد روافد واد جدي، وعيون عبد المجيد  … فالحياة الاقتصادية بالقصر تجد في البساتين ووفرة المياه أحد أسباب ديمومتها وإستمرارية وإزدهارها …
أما من ناحية الفلاحة فالقصر مُحاط بحزام من بساتين الفواكه التي تُسقى بنظام قنوات الري التقليدية بالتناوب. فأهّلها ذلك لتكون محطة تزود بالمؤن ومراكز توقف واستراحة لقوافل التجار والحُجاج المغاربة الذين جاؤوا على ذكر “دمّد وعمورة وعبد المجيد والبرج والعوينة” وغيرها خلال اختراقهم مجال بلاد أولاد نائل في ركب الحجيج الموثق في رحلات اليوسي والدرعي والعياشي والأميرة خناثة وغيرهم … 
كما نشطت التجارة وازدهرت في قصور بلاد أولاد نائل خلال الحقبة العثمانية. فعادةً مايكون السوق ودكاكين الحرفيين التي تتوسطها ساحة مركزية وفضاء يسمى “الرحبة” تُعرض فيه السلع والمنتجات محلية الصنع.
والرحبة لم يقتصر دورها على الجانب التجاري فحسب بل كانت فضاء ثقافيا لا تستطيع أن تحويه النوادي والقاعات. لقد مثلت صرحاً حضاريا مفتوحاً فكانت ملتقى لتبادل المنتجات والأخبار والأفكار بين الرّحل والمقيمين ومناسبة لعقد جلسات “الجماعة” وهي مجلس شورى مشكل من الأعيان والمرابطين وشيوخ الفرق الذين هم من العائلات الرئيسية ذات النفوذ والكلمة المسموعة. وهم من ذوي المكانة العالية والقدرة الكبيرة على التأثير بفضل تقواهم وورعهم. يفصلون في النزاعات التي تحصل ما بين القبائل وبين القصور ويُنظمون العلاقات بينها ويعقدون جلسات الصلح. 
وإذا ما إستثنينا التأثيرات التي تسربت إلى السهوب خلال العهود الغابرة وكانت محدودة جداً بسبب طابعها العسكري أو ربما التجاري، فإننا نلاحظ أن نمط قصور الجلفة يكتسي طابعاً يحذو حذو الحضارة العربية التي توغلت مع الدين الإسلامي ونقلت نماذجها القبائل العربية خلال موجات الفتح الإسلامي والهجرات الهلالية والإدريسية. وقد ظلت كذالك إلى حتى ما بعد الحكم العثماني. ونشير هنا مثلا إلى تقرير الجنرال لادميرو سنة 1849 وفيه ينقل معلومات عن ازدهار قصر مسعد وأنه يشكل ملتقى لكل قبائل أولاد سعد بن سالم وأولاد سي امحمد وأولاد فرج وعبازيز الشارف وأولاد الغويني وأولاد ساسي وأولاد عيسى.
وحسب ما ذكره الجغرافي الفرنسي “أ.أكاردو”، صاحب “معجم قبائل ودواوير الجزائر”، فإن قصور الجلفة هي مراكز وأقاليم عربية غير خاضعة لتطبيق المرسوم التشريعي، وتابعة للبلدية العربية والمقاطعة القضائية للجلفة بإقليم المدية على مسافة 25 كلم جنوب الجلفة وشرق طريق الأغواط. وتتشكل منطقة القصور من  مسعد وتعظميت والحنية وسلمانة والبرج وعين السلطان وعمورة والمويلح والمجبارة وزكار وعين الابل وعامرة والنثيلة. وقد بلغ تعداد سكانها مجتمعة 4814 نسمة لجدول إحصاء 1876.
بعض الصور لما آل إليه قصر دمّد التاريخي وعبد المجيد

 331 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *