بقلم أ. بن فتاشة مبروك/ سيرة القاضي سي محمد بن فتاشة 1790- 1891

القضاء الإسلامي، مسعد، الجلفة، الأغواط

المولد والنسب

هو محمد بن البشير بن اقويدر بن رابح بن فتاشة. يُرجّح أنه مولود حوالي أواخر 1790 بمسعد. هو ثالث إخوته أحمد و عبدي اللذين تركا إناثا فقط. ينتمي إلى أحد أعرق البيوت مكانة و علما ومالا  لفرع “أولاد احميدة” من فرقة “أولاد سعد بن بوزيد” إحدى الفرق الأربعة المكونة لعرش “أولاد يحي بن سالم” بن مليك بن سيدي نايل. وفرع “أولاد احميدة” الذي ينتمي إليه سي محمد هو أحد فروع أولاد سعد بن بوزيد الثلاث والذي يضم كذلك “أولاد السويح” و”أولاد سالم”. ويتشكل فرع “أولاد احميدة” من عائلات كل من “بن فتاشة، زريق، خوليفة، بوشويرب، شنيبة، سليخ” ويتركز تواجد أغلبهم بمنطقة مسعد وسد رحال. غير أن البعض ينتشر في كل من الجلفة والأغواط والقرارة وقصر الحيران ومنطقة التل والجزائر وخميس مليانة و”الزوية” بتلمسان والمسيلة وبوسعادة, الخ. وقد إشتهروا بامتهانهم التجارة و تربية الماشية.

 حياته

كان من بين من عمروا طويلا من هذه العائلة رفقة حفيدته “الشايعة بنت سي علي” التي تجاوزت القرن. ومما يلاحظ في عائلة (الفتاتشة) عامة،خاصة الآباء الأولون، أنهم لا يتجاوز إنجابهم للذكور عن واحد أو إثنين من امرأة. كان وصفهم ابن عمهم محمد بن سي البشير بن سي موسى بأن غالبيتهم إشتهر بتعدد الزوجات والبشرة الصافية التي تميل إلى السمرة الخفيفة منها إلى البياض الفاضح إلاّ عبدي الذي كان شديد السمرة. وتميز غالبيتهم بالقامة المتوسطة إلا ابنه موسى وحفيده البشير الذين كانا عملاقين بسب الطول الفارع لأمهم التي كانت تكنى بـ “العزبرة”. 

يوصف القاضي سي محمد بن فتاشة بأنه كان قوي البنية ببشرة تميل إلى البياض بنظرة وسلوك يتسم بالوقار متوسط الطول كغيره من عائلة (الفتاتشة). ;كان يفضل لبس البرنوس الأبيض المصنوع من صوف الكباش. ويعرف عنه أنه كان أنيقا في لباسه مداوما على النظافة والوضوء.

مات أبوه ورحل مع أمه في سن الثالثة لما تزوجت من أحد أعيان “أولاد الرقاد” من “أولاد نجيمة”. فتعهدت عائلته بتسيير متروك أخيهم بعد زواج إمرأته. كان زوج أمه عاقر فأصبح محمد كل حياته وزاد من حبه له الفطنة والسيرة الأخلاقية فتعلق به أيما تعلق. لم يتبنّه بل كان دائما يناديه بإسم (الفتاش) لما رأى سلوكه و حركته، وتلك صفة دأب عليها أباؤه و أجداده في البحث والدراسة و(تفتيش) الكتب وكثرة الأسئلة وهكذا من (الفتاش) أصبحت (بن فتاشة) لقب جده الأول. إعتنى به وحرص على تعليمه لما لمس فيه الإستعداد الفطري والنبوغ وأورثه بعض أملاكه في عدة مناطق بالجلفة بعد مماته جزاء لوفائه وإخلاصه في تسيير شؤونه.

يقول الشيخ التلي،رحمه الله، وقد عرض على “احمد بن سي عمر بن فتاشة” السعي لاسترداد ما ترك زوج أم سي محمد وأمه التي ورثته لكن “أحمد بن عمر” شكره و أعرض عن هذا الأمر إلى اليوم. حيث يقول المرحوم التلي وهو من أولاد الرقاد: لما كبر سي محمد كان هو الآمر الناهي و المتصرف الوحيد في ثروة زوج أمه. ما ولّد غيرة وحسد من عائلة كافله وبعد مشاحنات من أبناء تلك العائلة أخذه الكبرياء و الأنفة خاصة لما عُوير بإنتسابه (اليحياوي) عاد وقطن مسعد ولما كان من علية القوم.

يذكر أنه كان لديه خيمتان واحدة للضيوف (النزلة) و أخرى لأهله بالجلفة وبقيت مكانته كبيرة بالجلفة خاصة والأغواط ومسعد عامة و كان يُدعى لكل مناسبة. تزوج من أربع نساء أنجبن زيادة على عدد من الإناث أولاد ذكور فيهم من توفي في الصغر لكن من عمّروا أربعة:

  • امباركه أنجبت علي
  • التاليه أنجبت بن عبد الله
  • عيشه أنجبت قويدر
  • خيرة أنجبت البشير

كان حريصا على تعليم أولاده لكن نبغ منهم إثنان فقط و هما “سي علي” و”سي البشير “و لو أن الإثنين الآخرين كانا من حفظة أجزاء من القرآن وكانا كعادة والدهم يشتغلون بالعلم والدين ولا ينقطعون عن مجالس الذكر والتردد عن الزوايا و”جامع لحباب” و”الزاوية القادرية بمسعد” أين كانت تقام المناسبات الدينية ويحضرها أحيانا شيوخ الزوايا و هؤلاء تعودوا على زيارة (دار بن الفتاشة) كما يسمونها الى وقت قريب. كان لديه ملك في مسعد بـ (الرحبة) وبساتين في منطقة (شادن) وكذلك في (دمد) وأراض ببادية سدرحال. ولشغفه بالأماكن الفسيحة وحبه لإستقبال الأهل والمعارف كان منزله برحبة مسعد يحوي إثني عشر غرفة وكان شديد الكرم مما دفعه إلى كسب الماشية ببادية أولاد يحيى بن سالم.

وما عرف عنه أنه مسالم شديد العزة بالنفس ولا يجنح إلى كثرة المهاترات والصراعات فكان جد مترفع عن الصغائر. بعد حادثة وقعت له صرف النظر وترك كسب الماشية بعدما تواصل التعدي على أرضه وأحيانا التحرش براعي غنمه من قبل قايد العرش وبعض مقربيه …  

شخصيته

 كان قوي الشخصية ذا حضور مميز ذا أنفة وكبرياء. يكسب احترام من يخالطه ويعاشره. تربى حتى كبر بالجلفة في رفاهية كبيرة وتحمل المسؤولية وهو لا يزال غضا. ولأنه كان صاحب رأي سديد وصدوق إذا حدّث فكان يُستشار من القريب والبعيد. لا ينقطع عن الصلاة في وقتها وكلامه دائما يحشوه بالتدليل إن حكما أو أمثالا أو قرآنا أو أحاديث.

كما كان قارضا للشعر وسلس الكلام وذا بلاغة. ومما يحفظ عنه قوله لما ظُلم من أهله في قضية أرض زراعية بنواحي سد رحال لم يشأ أن يطيل الخصام ويزرع عداوة بين العوائل بل ترك من حقه وانسحب بعزة نفس وهجاهم بقصيدة لا يزال هذا البيت منها يتذكره بعض من أبناء عرشه:

يا اولاد… العمدة  ***  وخيار ما فيكم نقده

يا صقار ما فيكم رايس *** المبلول خير من اليابس

دراسته

حسب شهادة السيد (محمد باكرية) إمام بالجلفة أن “بعض من يعرفون آباء سي بن فتاشة ألحوا عليه بترك اللعب مع الصغار و الذهاب للدراسة لأنه سليل بيت علم ودين وهذا ما كان. فقد رجع إلى أمه من الشارع باكيا طالبا منها تركه يتجه لأخذ العلم … فالتحق بالزاوية العثمانية للشيخ “سيدي علي بن عمر” بطولقة، ولاية بسكرة حاليا. وبسبب نبوغه حفظ القرآن بسرعة كبيرة ودرس الفقه وتخرج بإجازة ولما كان شعلة في العلم طُلب منه تدريس أقرانه وقد كان متمكنا إلى أبعد الحدود ثم واصل دراسته حيث نتقل إلى زاوية “سيدي عقبة” واستزاد في العلوم الشرعية.

 درّس طلاب الزاوية حتى أثناء دراسته قبل التخرج لتفوقه على زملائه والذين كان هو أصغرهم. ويُذكر أنه درس بالمدرسة التركية كذلك بالجزائر ليكون أول من ينال إجازة  منها في المنطقة.

سيرته وشهرته بالمنطقة

كان ضمن المجلس المؤسس والمُسير لشؤون بلدة مسعد (القرية) وكان ضمن الوفود التي استقبلت الأمير عبدالقادر بوادي ختالة أواخر 1837. كما كان من أتباع دراويش الشيخ موسى الدرقاوي. وله أعمال كثيرة أخرى تحتاج مزيدا من البحث بمسعد, والجلفة وخاصة بالأغواط.

لقد ذاع صيت القاضي سي محمد إضافة إلى لغته العربية الجميلة وفصاحته وما كان لأحكامه من جرأة وحكمة في إستنباط الحق و العدل. ومن بين ما اشتهر به في أحكامه المميزة نذكر قضايا:

الملك: وكانت قضية جامع (الصفاح) بالأغواط من كبريات القضايا التي أبدع فيها واشتهرت كثيرا لما إفتك الجامع من مسيحيي فرنسا وثنييهم عن تغييره إلى كنيسة بعد إنتفاضتهم ولجوئهم إليه.

الميراث: حيث يقال أنه كان يتبع طريق خاصة للحسبة

القضايا الأسرية: وأهم قضية تذكر كانت إطفاء نار الصراع والمواجهة بين عرشي أولاد يحيى بن سالم  و عرش آخر بسبب قضية تبني.

 

اشتغل مدرسا بزاويتي طولقة وسيدي عقبة وإشتغل بالقضاء (عقود ووثائق تحمل اسمه أو خاتمه في سنوات 1828، 1830، 1837، 1859، 1863، 1887) وكان قاضيا في الجلفة وقاضيا رئيس مجلس في الأغواط ومن أعيان بلدة مسعد ومن بين من شهد تأسيسها. وكان من كبار الجماعة حيث يحضر لكل المناسبات شاهدا و موثقا للأحدث (وثيقة مؤرخة سنة 1837)

الوفاة

توفي رحمه الله سنة 1891. وما حدث فعلا و مما يُحفظ في ذاكرة من عاصروه وأهله أنه لم يطل به المرض. ولما كان يوم الخميس إستدعى كل عائلته مساء وأقام لهم وليمة بعد ذبح شاة وأمر أولاده بعد صلاة العشاء مرافقته بتلاوه القرآن متربعا في جلوسه. و مع نهاية الآية الأخيرة والدعاء طلع الفجر رفع سي محمد السبابة وتلى الشهادة لترحل روحه إلى بارئها.

دفن بمقبرة مسعد بعد أن أفرشوا قبره بورق الحنة. وواضب أولاده كل ليلة حاملين (الكانكي) للإضاءة لمدة أسبوع يزورون قبره للدعاء و قراءة القرآن.

آثاره

يقال أن له مخطوطات بخط يده كانت دائما ترافقه في جرابه. وأوصى بوضعها في جامع (الصفاح) بالأغواط. لكنها فُقدت.

وهناك رواية أخرى تقول أنه حدث لها كذلك مثل مخطوطات إبنه “الخوجة سي علي” والذي زاول تدريس بعض أبناء القرية لمدة قبل توليه منصب خوجة لدى قائد العرش “علي بن طيب غراب” وقد توفي الاثنان في ظروف غامضة إختناقا بثاني أكسيد الكاربون بغرداية … تلك المخطوطات دفنت تحت الأرض بمنطقة (شادن) عند ساقية الرمانة بمسعد لكنها سُرقت و أنكر كل من إتهم بالإستلاء عليها حينها …

القضاء الإسلامي، مسعد، الجلفة، الأغواط

القضاء الإسلامي، مسعد، الجلفة، الأغواط

القضاء الإسلامي، مسعد، الجلفة، الأغواط

 487 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *