انطلق المرحول … ونلتقي عندما يدور الحول!!

المرحول

اخترت الكتابة حول حياة البدو الرحل أثناء شهر رمضان لما يمثله ذلك من نظام معيشي قائم بحد ذاته يقوم على توقير الكبير ورحمة الصغير، نظام كانت المرأة فيه تشكل محور الأسرة نظرا للدور الكبير الذي كانت تقوم به تجاه زوجها و صغارها.

و بما أن المدنية قد طغت على الحياة المعاصرة في كل جنباتها جالبة معها المظاهر السلبية التي لا تكاد حاضرة تخلو منها فإنني وجدت في حياة البدو الرحل كثيرا من الإيجابيات حول أولئك الرجال و تلك النسوة في تحديهم لقساوة الصحراء و  صعوبة العيش في ظل الإستدمار الفرنسي من جهة و عنايتهم بأبنائهم و تدبير معيشتهم من جهة أخرى.

فالأسرة التي تعيش اليوم  في المدينة قد فقدت تقريبا كل الخصوصيات و فرطت في كل العادات و التقاليد التي حافظ عليها أجدادنا لقرون طويلة فصارت ربة البيت لا تكلف نفسها عناء خلق جو اسري ذو خصوصية خالصة تطبع عليها بصمتها في طعام و شراب و كساء زوجها و أبنائها.

كما أن الأسرة اليوم لا تدرك درجة الانفتاح الكبير الذي نعيش عليه اليوم و ما يمكن أن يشكله ذلك من خطر على الناشئة الذين لا يجدون اليوم من يأخذ بيدهم غير البرامج التلفزيونية الهدامة و المواقع الإلكترونية الخطيرة.

و لعل أشد ما يلفتك في حياة البدو الرحل هو الإنتاجية العالية للأسرة البدوية فالطعام والشراب والملبس وحتى المسكن “الخيمة” هو من إنتاج هذه الأسرة في حين نرى اليوم الأسرة الجزائرية والتي تمثل نموذجا مثاليا عن حال الجزائر ككل و التي تستورد كل شيء و لا تنتج أي شيء.

في الأخير أختم “تخاريف صائم” لرمضان هذه السنة بهاته السيرة لحياة أجدادي في ترحالهم من دار الشيوخ نحو الغرب الجزائري بحثا عن الكلأ لماشيتهم سنوات الأربعينيات من القرن الماضي و إلى أن نلتقي في رمضان القادم إن شاء الله أترككم مع جدتي تنقل لكم هذه الصور…و تقبل الله منا و منكم الصيام والقيام وعيد سعيد ونسأل الله أن يعيده علينا و على الأمة الإسلامية بالخير و اليمن و البركة.

توطئة

تتميز حياة سكان البادية بالترحال المستمر بحثا عن الكلأ لماشيتهم حيث تكاد تكون تربية المواشي النشاط الرئيسي لعيشهم بالإضافة إلى النشاطات المعاشية الأخرى كصناعة الملابس التقليدية المتمثلة في البرنوس والقشابية و الخف و “المظل” و “الخمري” و صناعة المأكولات التقليدية مثل الكسكس “الطعام” و”المردود” و”الفتات” و “الشخشوخة” ومشتقات الحليب كالدهان و الرائب و اللبأ و اللبن “الشنين” فضلا عن “الرب” بضم الراء الذي يصنع بالتمر.

و تعتبر هذه الصناعات التقليدية تراثا حضاريا قائما بذاته لما تتميز به من التنوع و الأصالة و القدرة على الإبداع والإستقلالية في المعيشة وكذا الاعتماد على ما تجود به الطبيعة من مختلف الخيرات.  

و عندما يحل موسم الجفاف و تكون الماشية مهددة بسبب عدم توفر الكلأ يقوم أفراد عائلة واحدة أو عدة عائلات من نفس العرش بعملية كراء لمساحات شاسعة تتوفر على الكلأ و مصادر السقي لماشيتهم و يتم فيما بينهم الاتفاق على موعد الانطلاق لتبدأ رحلة من رحلات البدو الرحل في قافلة متكاملة يطلق عليها اسم “المرحول”.

المرحول ينطلق بعد السحور مباشرة

قد يحدث أن يتزامن إقلاع المرحول مع شهر الصيام و بما أن حياة البدو الرحل مرتبطة ارتباطا وثيقا بتربيتهم للماشية التي عليها معاشهم فان شيخ القبيلة أو القايد و بفضل الحكمة و الحصافة التي امتلكها عبر السنون يقرر الانطلاق إذا اقتضى الأمر ذلك مراعاة لمصلحة الجميع و حفاظا على الماشية التي تمثل مصدر عيشهم من الهلاك.

و تعطى الأوامر إلى الجميع بالاستعداد ليوم الرحيل فترى الجميع منهمكا في الإعداد لذلك عبر تجهيز المرحول أين ترى البعير باركة على الأرض في حين كل امرأة تعكف على جمع خيمة أسرتها و التي تسمى “البيت” بكسر الباء و تقوم أيضا بربط أعمدة البيت وتقسمها بالتساوي على جانبي البعير ويسمى ذلك بـ “السرڨ” بكسر الراء.

كما تجمع النسوة أيضا “القراير” و هي جمع “قرارة” والتي هي بمثابة “خزانة العرب” و تصنع من شعر الماعز وصوف الأغنام و هي المواد نفسها التي تصنع منها الخيمة ويبلغ ارتفاع القرارة الواحدة مترا و نصف و عرضها مترا واحدا. و القرارة هي المكان الذي يحفظ به مخزون الأسرة من الغذاء سواء الذي تحصلت عليه الأسرة سواء بالشراء أو بالمقايضة أو عن طريق استخلاصه و صناعته تقليديا.

ويطلق على مخزون الأغذية تسمية “الدخيسة” أو “العوين” و لا يوضع مباشرة داخل القرارة وإنما يتم تعبئته داخل “المزاود” و هي جمع “مزود” حيث يصنع هذا الأخير من جلد الماعز  و يوضع بداخله العوين المتمثل في الهرماس،الكليلة ،الخليع،التشيشة بأنواعها الثلاث (الفريك،المرمز و تشيشة القمح المسماة الفلاڨ بكسر الفاء) والفلفل الأحمر و غيرها حيث تتزود العائلة من هذا المخزون طيلة السنة.

إضافة إلى المزود المخصص لحفظ الأغذية الجافة و المجففة،يصنع أيضا من جلد الماعز “الڨربة” التي تستعمل لحفظ الماء و “الشكوة” لحفظ الحليب و اللبن فضلا عن “العكة” التي تستعمل لحفظ “الرب” برفع الراء الممزوج بالدهان المستخرج من الحليب كما أن “الجرة” المصنوعة من الطين تستعمل هي الأخرى لحفظ “الدهان” خالصا وتتميز الجرة التي يتم إغلاقها بالطين بقدرتها على حفظ “الدهان” لسنوات طويلة حيث يستعمل هذا الأخير مع الكسكس في المناسبات و كذلك لصناعة المأكولات التقليدية الأخرى كالكعبوش و الرفيس و يعتبر الدهان أيضا وسيلة للتهادي بين الأسر لأنه قيمته تتمثل في كونه خلاصة اجتهاد المرأة طيلة فصل الربيع في “مخض” الشكوة من أجل استخلاص الدهان من الحليب.  

كما لا تفوت المرأة البدوية استغلال مشية الجمل المتسمة بالجيئة و الذهاب في عملية “مخض” الشكوة فتضع الحليب داخل الشكوة ثم تحزم الشكوة على ظهر الجمل الذي يقوم بعملية “المخض” عن طريق مشيته طيلة أيام المرحول. 

ثم يحين موعد الانطلاق والذي يكون بعد السحور في شهر رمضان حيث ينطلق المرحول المتكون من الفرسان الممتطين للخيول و يتقدمون القافلة من أجل الاستطلاع وكذلك البحث عن مكان مناسب للراحة ويسمى هذا المكان “المحط” بفتح الميم و الحاء.

أما باقي المرحول فيتمثل في الجمال المحملة بمختلف حاجيات القافلة يتبعهم الرجال و النساء القادرون على السير على أرجلهم حيث ترى المرأة تسير وراء المرحول وبيديها المغزل وهي تغزل الصوف وتحمل ابنها الرضيع داخل منديل من الحجم الكبير على صدرها وكان المنديل المستعمل آنذاك يسمى “الجلواني” وفيه ينام الرضيع، أما الأطفال الصغار فيركبون الخيل والبغال التي تنقلهم على ظهرها طيلة المسير أو يوضعون داخل الهودج والذي يتم صنعه بالألواح و الصوف حيث يوضع على ظهر البعير كما أن الهودج هو المكان الذي تبقى فيه المرأة التي وَلدت حديثا أي هي في مرحلة النفاس وكذلك البنات اللائي بلغن سن الزواج وذلك من صفات الغيرة على الأعراض التي كان يتميز بها الرجال.

وعند الظهيرة يقرر شيخ المرحول أو شيخ النزلة وهو الكبير فيهم سنا – يقرر النزول بالمحط بعد التشاور مع الفرسان وهذا من أجل أخذ قسط من الراحة وحضير طعام الإفطار لأفراد القافلة …

النزول بالمحط و إرسال فارس الاستطلاع

عند نزول القافلة بالمحط وقت الظهيرة يتم إرسال فارس من فرسانها من أجل الاستطلاع و تحديد المسار الذي ستسير عليه القافلة في اليوم الموالي حيث يعود هذا الأخير قبل موعد الإفطار و في جعبته أخبار عن حال الطريق و الوضعية العامة حول الكلأ و كذا الأقوام الذين التقى بهم و ما خبره منهم مع العلم أن الفارس يكون من بين ثقاة شيخ القافلة و كذلك ممن لديهم معرفة جيدة بالطرق و الاتجاهات و أسماء الأماكن.

نصب الرواق وتحضير الإفطار

عندما يقرر شيخ القبيلة الاستراحة وقت الظهيرة يتم بسرعة نصب خيمة صغيرة جدا و هي جزء من “البيت” وتسمى “الرواق” الذي يعد بمثابة مطبخ يستعمل في إعداد الطعام و القهوة. و بعد نصب الرواق تقوم بعض النسوة باقتلاع بعض حشائش الإستبس اليابسة كالشيح و العجرم و الحلفاء و يتم استعمالها لإيقاد النار التي يطهى عليها الطعام كما يتم أيضا استعمال فضلات الأغنام “البعر” و الذي يتم تخزينه و تجفيفه بكميات كبيرة ويكون ضمن ذخيرة المرحول بكميات كبيرة تقدر بالقناطير و تطلق عليه تسمية “الوقيد”.  

  تشرع النسوة في تقاسم المهام فهاته تقوم بطحن القهوة بواسطة عملية “الدق” داخل مهراس من الحطب والأخرى تحضر الخبز  التقليدي “المطلوع” الذي لم يكن يحضر آنذاك باستعمال الخميرة و إنما توضع فيه كمية ضئيلة (قرصة) من الشب مكانها.في حين تعكف الأخرى على تحضير اللبن و استخراج الدهان منه بعد أن تم مخضه على ظهر الجمل طيلة أيام مسير المرحول، كما يعهد إلى امرأة أخرى بعملية سلخ و تقطيع الشاة التي ذبحها للتو الرجل.

  أما مائدة الإفطار فتتكون عادة من “الشنين”  اللبن  و “تمكشة” تمر أي قليل من التمر و الشربة “الحساء” و”الحميس” و “المشوي” إذا كان عند أهل المرحول ضيوف أو كون أصحاب المرحول أنفسهم قد نزلوا بمحط قريب من قوم آخرين الذين يؤدون بدورهم واجب الضيافة معهم التي لا تعتبر ضيافة أصيلة  إلا عندما تنحر فيها شاة من خيار الغنم.

ويتم تحضير شربة الإفطار من عجائن تقوم النسوة بصناعتها بالسميد و الزيت و تقطع بواسطة الغربال على شكل رقائق تشبه السباغيتي و هي ما تعرف باسم “المقطفة” عند أصحاب الولايات الشمالية.

وتحضر الشربة  مع ما يعرف بـ الخليع أو “الشرنيح”  و معناه اللحم المجفف أو القديد الذي يحضر بتشريح اللحم  وتعريضه لبخار الماء ثم معالجته بالخل و التوابل أو ما يسمى بـ “رؤوس الحوانيت” و يوضع الخليع داخل خيط على شكل سلسلة طويلة ثم يوضع للتجفيف في الظل وبعد ذلك يخزن الخليع و عجائن الشربة المجففة داخل المزود و عند تحضير وجبة الإفطار تأخذ منه المرأة “مخلبا” أي كمية معينة لتحضير الإفطار. 

أما ” الحميس” بكسر الحاء و هو نوع من أنواع “الزواجة” فيتكون من البطاطس المقطعة إلى رقائق صغيرة و ثلها شرائح صغيرة من لحم الضأن.

ويتم تحضير طماطم الصلصة عن طريق تشريح الطماطم و وضع الملح عليها ثم وضعها في مكان مهوى من أجل التجفيف و عندما تحتاجها المرأة في الطبخ فإنها تعمد إما إلى عملية طحن الطماطم المجففة أو وضع جزء مجفف بأكمله داخل القدر.

 ونفس الأمر بالنسبة لصنع “العكري” أو ما يسمى بـ “الحمار” – بفتح الميم و تشديدها- و هو أحد أنواع التوابل المصنوعة تقليديا حيث تقوم المرأة بتجفيف الفلفل بنوعيه إما الحار أو الحلو و يعلق على شكل سلسلة طويلة داخل خيط ثم تقوم بطحنه إلى نوعين عكري حار و عكري حلو و الذي يدخل في تحضير عدة أنواع من الأطعمة التقليدية.

  أما فيما يتعلق بالهرماس فانه يحضر هو الآخر بواسطة تجفيف فاكهة المشمش حيث تشرح هذه الأخيرة وتترك  للتجفيف نسبيا ثم يوضع عليها الملح و تعرض مرة أخرى للتجفيف بصفة كاملة و تستعمل المرأة الهرماس في صنع بعض أنواع المرق و كذلك لصناعة “المردود”. 

 و تعطي هذه المواد الغذائية المجففة للنسوة هامشا من الحرية في أعمالهن و بالتالي الانشغال بأمور أخرى كتربية الأولاد و تحضير ملابس الشتاء “كالقشابية” و “البرنوس” و “الخف” و كذا صناعة الخيمة أو ما يعرف بـ “الفلجة”.

 من سهرات البدو الرحل بعد الإفطار

 و مباشرة بعد الإفطار تشرع بعض النسوة في رفع الرواق من أجل الاستعداد لمواصلة المسير أما الرجال فينصرفون إلى السهرة و السمر و يتحلقون حول “سامر” من النار و يتبادلون الأحاديث حول ما شاهدوه في الطريق و كذا ما حمله لهم فارس الاستطلاع من أخبار و التناقش حول الطريق التي سيتبعها الركب و المراعي التي سترعى فيها الماشية  كما أن السهرة يحضرها الأطفال الصغار برفقة آبائهم حتى يتعلموا منهم و يأخذوا عنهم فنون الكلام.

  أما إذا كان من بين أفراد القافلة من يقول الشعر فان السهرة ستكون أكثر خصوصية لما ينشده الشاعر من أشعار حول مواضيع شتى من حياة البدو الرحل القاسية و تزداد السهرة نكهة إذا كان هناك القصاب الذي أحيانا يقول له الرجال العبارة الشائعة “حوس بينا” أي خذنا و تجول بنا في معالم القصبة التي تحاكي  بنفخات القصاب فيها تلك التعابير عن قساوة الحياة البدوية المتسمة بالحل و الترحال و المعاناة المختلفة كالأمراض و الفاقة وقطاع الطرق و الشوق و الحنين و النوستالجيا الى الأهل و الأحباء و الخلان و غير ذلك فضلا عن المعاني السامية التي لا يتنازل عنها “ناس البر” كالشرف و الكرم و حسن الضيافة و الغيرة على العرض و نصرة المظلوم.

  و يحدث أحيانا أن تلتقي قافلتان في المحط فيتم التعارف و أداء صلاة التراويح جماعة في خيمة أحدهم و إن كان من بين أفراد القافلة من لديه نصيب من العلم الشرعي فانه يلقي عليهم درسا أو موعظة دينية.كما يكون أحيانا لقاء قافلتين فرصة للنسب بينهما إذا ما وقع إعجاب أو رغبة في ربط مصاهرة و مازال لدي إلى الآن أقرباء في الغرب الجزائري بفضل تلك المصاهرة.

  و أثناء ذلك تكون النسوة قد أكملن حلب الأغنام و الماعز التي منعت صغارها (يعبر عن عملية فصل الصغار عن أمهاتها بالفعل “قيدد”) من رضاعتها و تتم تلك العملية بربط هذه الأغنام و رؤوسها متقابلة و هو ما يعبر عنه بـ “الدراس” و تكون عملية الحلب بسرعة لا تجيدها سوى المرأة الريفية ثم يوضع الحليب داخل “حلاب –بكسر الحاء-” مصنوع من الطين يوضع عليه الغطاء ثم يصب داخل “الشكوة ” فيما بعد من اجل مواصلة المسير.

 بعد أن تقوم النسوة بجميع الأعمال التي تلي الإفطار يجتمعن هن أيضا فيما بينهن لتمضية السهرة تحت ضوء القمر و بين يدي كل منهن شيء تشتغل عليه فهاته تراها تمسك بـ “المرباح” و هو أداة من الحطب على شكل مشط كبير صنعت أسنانه من أسلاك حادة تستعمل من اجل تنظيف صوف الأغنام مما علق به و الأخرى تغزل الصوف و تلك منشغلة برضيعها و أخرى تحضر القهوة للجميع في حميمية عائلية و نشوة و سعادة لا تضاهيها في الوجود سوى سعادة المرأة المؤمنة المقتنعة بالدور الذي تؤديه في سبيل سعادة زوجها و أبنائها ضاربة في ذلك أروع صور التضحية.

 عودة المرحول و صور من معاناة البدو الرحل

 بعد غياب طويل عن الأهل و الديار و بعد أن تكون فترة كراء “البلاد”- و هي  أراضي الكلأ- قد قاربت على نهايتها يقرر كبير القافلة العودة إلى الديار فيتم جمع مرحول الإياب مثلما جمع يوم الرحيل و تنطلق المواشي بمعية بعض الفرسان قبلهم بمسير ثلاث أيام ليلتحق بهم الباقون و كلهم شوق إلى أخبار البلاد و العباد.  

  يعود المرحول بعد غياب قد يصل إلى سنة أو أكثر و يجدون الكثير من المعالم قد تغيرت و معه أخبار جديدة عن أحوال الأهل و الأقارب فهذا قد زاد عنده الولد و ذاك قد زوج ابنه أو ابنته و هؤلاء قد انطلق مرحولهم إلى بلاد أخرى بحثا عن مصادر العيش لمواشيهم.

  و قد يحدث أن يفقد بعض أفراد المرحول أقرباءهم طيلة فترة الغياب و يحول بعد المسير و صعوبة الاتصال دون بلوغهم خبر النعي و هو الحال مع جدتي رحمها الله التي توفيت أمها شهرا بعد انطلاق المرحول و عندما عادت بعد دوران الحول وجدت أن أمها قد غادرت إلى الحياة الأخرى و قد تركت لها رسالة مفادها “أني راضية عنك و أعطيك دعوة الخير” فلا تجد أمامها إلا أن تصبر و تحتسب لأن الحياة القاسية التي عاشتها قد علمتها الصبر و الجلد أمام مصاعب الحياة كما أن في حياة البدو الرحل عبرة لمن يعتبر في هذه الدنيا و هنا يحضرني حديث النبي صلى الله عليه و سلم ” مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها””رواه الترمذي”، وحال الإنسان في الدنيا كحال مرحول مر بمحط فأقام به نصف نهار و نصف ليلة ثم رحل في اليوم الموالي و هو المعنى الذي يفهمه جيدا أهل البادية.

  كما أن صعوبة الحياة البدوية قد علمت سكان البادية مجابهة الصعاب و التغلب عليها و التضحية في سبيل قهرها و لعل أروع صورة من صور التضحية هو حال المرأة البدوية ليلة العواصف و الأمطار حيث تراها في تلك الليلة إلى جانب زوجها خارج الخيمة و هي تمسك المعول بيدها و تحفر السواقي على جوانب الخيمة من أجل تصريف مياه الأمطار المتجمعة حواليها حتى لا تتسرب الى الداخل غير مبالية بالبرد  ثم سرعان ما تسرع إلى الداخل و تقوم بإرخاء رباط أعمدة الخيمة لكي لا تقطعها الرياح ثم تعود من جديد إلى الخارج و تقوم بتثبيت الأوتاد حتى لا تقتلع العواصف الخيمة و ديدنها في ذلك هو راحة أبنائها و إعانة زوجها على مصاعب الحياة لا سيما في ليالي الشتاء الطويلة ،و في حال ما إذا أصيب أحد أطفالها بنزلة برد فان والدته تبيت الليل ساهرة تمرضه حيث تقوم بتحضير شراب ساخن من الأعشاب الطبية المسماة “الأجوار” و هي جمع جور و أثناء ذلك تربط على رأس الطفل “عصابا” بكسر – العين- واضعة له داخله العطر و القرنفل و غير ذلك من الأدوية التقليدية التي ما زالت تستعمل إلى الآن وأثبتت فعاليتها في العلاج.

 شهادة للتاريخ

 بقي شيء آخر و هو شهادة تاريخية لجدتي رحمها الله و هو أن المرحول و أهله قد لعبوا دورا كبيرا في محاربة الاستعمار لأن تنقل القافلة المستمر كان يساعد على نقل السلاح و نقل المؤونة للمجاهدين في كل مكان تحل به القافلة كما أن هناك من أفراد القافلة – تضيف جدتي- من حمل السلاح في المحط الذي كان نقيم فيه و قد ساعده ذلك في التواري عن المستعمر و أذنابه من الباشقات و الحركى الذين كان ينقلون للمستعمر الأخبار عن المجاهدين و الفدائيين لأن “حركي الدوار” لا يعرف أفراد المرحول.

  كما حكت لي جدتي عن الطعام الذي كان يحضر لكتائب المجاهدين حيث يتم نحر شاة و تحضير الطعام و”المطلوع” الذي تبيت النساء الليل بأكمله تقمن بإعداده ليصل العدد الثلاثمائة خبزة يحملها جدي فجرا مع قطع اللحم لوحدها دون المرق اتقاء التسمم.

  و قد حدث أن سيق أفراد مرحولنا من الرجال و الشباب – تقول جدتي- زمرا إلى مركز  للتعذيب  بعد أن شك المستعمر في تعاونهم مع المجاهدين حيث تم إطلاق الشباب اليافع في حين حكم على الرجال الكبار و من بينهم جدي رحمه الله بالسجن لمدة عشرة أشهر تعرضوا فيها لأبشع أنواع التعذيب بسجن البرواقية حتى كان جدي رحمه الله – تقول جدتي – لا يستطيع النوم على ظهره من آثار التعذيب و ما تزال بحوزتي إلى الآن وثيقة تثبت مدة سجنه و تاريخ الحكم عليه إلا أن مديرية المجاهدين لم تعطه صفة المجاهد لأن تلك الوثيقة في نظرها لا تعتبر وثيقة إثبات الجهاد ضد المستعمر.

 40 المشاهدات,  5 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *