الصناعات التقليدية بالجلفة … السلالة وصناعة الجلود

الحذاء الطعبي، تصوير ربيع هزرشي

صناعة الحلفاء (السلالة)
تمتاز المنطقة السهبية ومضارب أولاد نائل بوفرة نبات الحلفاء هذه الثروة التي نهبت منها الأطنان أيام الإحتلال ولطالما أنعشت الإقتصاد الفرنسي أيام الحقبة الإستعمارية وحركت عجلة الثورة الصناعية الحديثة الاوروبية. وكانت تُحول عبر قطار نقل البضائع أيامها من مدينة الجلفة الى مستودعات ميناء الجزائر العاصمة لتنقل بعدها الى المعامل الفرنسية. وهاهو شاعر  يوثق ذلك:
عييتي يا الحلفاء بالتنتار ☆☆☆ وما يخدم خدمتك قير الحالف
نبات نخمم كم ربطة في القنطار ☆☆☆ وبخدمة لشرار مانيش موالف

جمع الحلفاء الجلفة 1931

رزم الحلفاء بالقرب من محطة القطار بالجلفة 1931، تصوير إيميل بريدوم

لقد استعان أهلنا محليا بالحلفاء على شؤونهم وصنعوا منها أدوات منزلية. فهذه الصنعة كانت حكرا على النساء لتطوع أناملهن اللطيفة ألياف الحلفاء الخشنة وتحولها إلى منتوجات متنوعة وتحف فنية ثمينة من غير أن يدخلها التحويل. وأكثر ما تفعله النسوة مع هذا النبات أنه يُدقّ نوعا ما ويوضع في الماء لتُصنع منه بعض الأدوات مثل الحبل والحصير وبردعة الدواب والقُفة و الرّونية والخرج بضم الخاء وهو يشبه السّلة الكبيرة تحمل على الدواب ويُستعمل لحفظ الحبوب والثمار الجافة، ويضنع منها أيضا القدح لشرب اللبن والقنونة لشرب الماء والأطباق والكسكاس والمكانس …
الصناعة الجلدية
تمتاز ولاية الجلفة بالثروة الحيوانية إذ تعد الأهم على الصعيد الوطني وهو الأمر الذي ساهم في توفير المادة الأولية المتمثلة في الصوف والجلد. وقد مارس أهل الجلفة دباغة الجلود التي تدخل في الصناعة التقليدية بعد تنقيتها وتطهيرها جيدا، ودبغها بعقاقير معروفة لديهم.
الدباغة: وصنعة الدباغة خاصة بالجلود حيث عرفت هذه الحرفة لعدم إمكان إستعمال أنواع الجلود بدون دباغة. ولقد توصل إليها بعد تجارب عدة بواسطة عقاقير ونباتات. ولا شك من أن عملية الدبغ ذات الدافع إلاقتصادي والديني. ذالك أن الجلد غير المدبوغ لا يثبت أمام كثرة الإستعمالات في الأغراض المتنوعة لأن الدبغ يكسب الجلد، زيادة عن الطهارة والنظافة، المتانة والقوة. ومن المواد المستعملة في صناعة الدباغة مايلي: قشور الرمان، العرعار، القطران، الشب، الملح، الدقيق وقشور عروق البلوط، لحاء شجر الصنوبر.
الأدوات المستعملة من الجلد: الأدوات المنزلية مثل العُكة والسّليخ والمزود ولعل أصل التسمية أنها تزود حاملها بالمؤنة وأصل التسمية عربية وهو على نوعين. وهناك القربة لسقي الماء والشكوة لمخض الحليب الرائب والسّرج والمحافظ أو كما تعرف بـ “الجبيرة” كما يقول الشاعر محاد بن رحمون رحمه الله المتوفى سنة 1946:
حاجتي قليلة عند النظار ☆☆☆وانا شاهي ندير جبيرة
لا شتيت راني معار ☆☆☆وخايفها لا تعود كبيرة
وكذلك يستعمل الجلد في تغليف أغمدة السيوف والأفرشة كالسجاد، ولوازم الصيد والحيونات من أحزمة وحمالة اللجام وأدوات موسيقية كالبندير، والاحذية كالحذاء “الطعبي” المسعدي أو “المقرون”.
الحذاء الطعبي “المقرون”: حاضرة مسعد كعروفة بقصورها وعراقتها وأصالتها وبتميزها من خلال محافظتها على تراثنا وتقاليدنا فهي عنوان هوية الرجل النائلي. وحرفي قصورها عموما أحبوا حرفهم وأعمالهم فأتقنوها حتّى باتت تُعتبر أكبر داعم تراثي للاقتصاد المحلّي في البلاد. ومازالت حتّى اليوم تتصدّر أسواق مدننا كأهمّ الصناعات التقليديّة الشعبيّة، والتي يقصدها السيّاح من مختلف أنحاء العالم لاقتناء أجمل الأعمال اليدوية التي ما زالت منذ مئات السنين متوارثة من جيلٍ إلى جيل ومُحافظة على طابعها المميّز. فمثلا تشتهر مسعد بحياكة الألبسة الشتوية المنسوجة يدويا بوبر الجمال الخفيف الناعم (القشابية، والبرنوس) والحذاء الطعبي (المقرون) أو الجزمةالنسائية المزخرفة وكما تعرف بين السكان “المكردي”.
يحرص أولاد نائل على اقتناء الحذاء الطعبي المصنوع يدوياً بتصميم شرقي، ويعرف تقليدياً باسم “سباط المقرون” أو الطعبي وذلك نسبة إلى أهل الصنعة من عرش “أولاد طعبة بن سالم” أحد بطون أولاد نائل. فيتمسك أصحاب الحرف اليدوية من أهل مدينة مسعد بهذا التراث لما فيه من تاريخ عريق وأصالة توارثها الابناء عن الأجداد إذ تشتهر بحرفة الخراز، الذي يقوم بخرز الجلود المدبوغة لصنع الأحذية والنعال يدوياً لتكون مصدر رزق لهم. وغالباً ما يصنع من الجلد الطبيعي الأصلي للمواشي. ويدخل الحذاء التقليدي عن جدارة في الأزياء التراثية الشعبية لا سيما وأن شكله لم يتغير منذ عقود من الزمان عدا بعض التعديلات الطفيفة.
وما زال يحافظ على شكله التقليدي إلا أنه تم تطوير تصاميمه وزيادة ألوانه وزخرفته كانت تلقى رواجاً كبيراً بين والرجال والنساء لجودة هذا المنتج التراثي القيم. وغدت هذه الأحذية الجذابة بتصاميمها المختلفة تباع في الأسواق لقرون عديدة دليلا على جودة المنتوج ولا يزال الإقبال عليه من أهل البادية رغم تراجع استهلاكه في السنين الاخيرة الذي أضحى محدودا، إذ يعد مصدر جذب سياحي للأجانب الذين يرغبون في تجربة الأزياء التراثية النائلية التي تضاهي نظيراتها الحديثة. وتعد الأحذية النائلية كهدية مثالية لأنها تعمر زمنا طويلاً ولا تهرمها عوامل المشي والطبيعة بسهولة وتكبر مع صاحبها بسبب جودتها العالية. كما تحظى هذه الصناعة التقليدية بعناية المهتمين بالتراث الوطني إذ تعرض منتجات الأحذية في مهرجان التراث والثقافة سنوياً للإحتفاء بالحرفيين الخرازين الذين أتقنوا صناعتها منذ الصغر.
في الماضي وحتى أواخر السبعينيات كان للخراز المسعدي دور كبير في دفع عجلة الإقتصاد. وظلت مهنة الخرازة صامدة لم تندثر رغم تطور الحياة و نرى حاليا إقبالا محتشما بسبب غزو السلع الأجنبية السوق ومافعلته الآلة والتقليد بهذه الحرفة.
طريقة صنع الأحذية: يصنع الحذاء المسعدي بعناية ودقة من جلود المواشي ، ولا يتم صبغه إلا الحذاء النسوي “المكردي” الذي يصبغ باللون الأحمر فيكوى بأداة حديدية بها أشكال وزخارف لتترك أثر الزخارف على جوانب جلد الحذاء. وفيها يقول الشاعر محمد الريغي شبيرة المتوفى سنة 1957في مدح أولاد نائل والإستنجاد بهم في قصيدة رائعة مطلعها:
أصل الجودة والحنانة غربية ☆☆☆وضناية لشراف لا من يصفاهم
ثم يصف الزي النسوي النائلي فيقول:
الصباط أحمر والخلاخل تتنقمر ☆☆☆وأرديف آخر ينقحو في بعضاهم
أما الحذاء الرجالي “المقرون” فيحمل لون الجلد من البُني والأصفر على حسب طلب الزبون. وتأتي الجلود المستخدمة والتي غالبا ماتكون محلية وتعددت أنواعها من حيث الحجم وهناك النقشات التقليدية وزخارف إسلامية تعكس الثقافة العربية والخيوط المرسومة التي تطرز يدوياً وبدقة دون تدخل الآلات ولا زالت دارجة وفيها حرفية عاليةجدا.
كما أنها مناسبة جداً لجميع الأعمار وعملية جدا ومناسبة لجميع المناسبات ومقاومة للمشي في التضاريس الوعرة، وعوامل الطبيعة فهي تمتاز بالخفة والأناقة وبقوة تحمل قساوة الطقس السهبي البارد شتاءا و الحر الصحراوي لأنه لم يدخل فيها أي مواد كيمائية عند دباغتها. فهي مصنوعة من خامات عالية الجودة وبطانة داخلية لتوفير الراحة الكاملة لكاحل القدم أثناء المشي.
يزداد الطلب على تلك الأحذية في فصل البرد ومواسم الحرث و الأعياد، حيث يعد الخرازون العدة والعتاد بتوفير جميع التصاميم لإرضاء جميع الأذواق كان هذا من أبرز الحرف التقليدية التي تميزت بخصوصيتها مضارب اولاد نائل عن غيرها من مناطق وطننا الثري والغني بتراثه المادي واللامادي.

 54 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *