الخابية … فرن القطران!!

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

عرفت مناطق السهوب اختلالا كبيرا في نظامها البيئي وتدهورا كبيرا في غطائها النباتي نتيجة عدة عوامل والتي يمكن تقسيمها إلى عوامل مناخية وعوامل تعود الى الإنسان في حد ذاته، فقد عرف المناخ تغيرا ملموسا في العشريتين أو الثلاثة الأخيرة، حيث تسارعت وتيرة الجفاف التي ساهمت في انخفاض الغطاء النباتي وضعف تجدده خاصة في المناطق الغابية التي تقع في نطاق السهوب.

كما لعبت عوامل تسبب فيها العامل البشري في تقهقر الغطاء النباتي وحتى انعدامه، وتتمثل هذه العوامل في الرعي الجائر وهو الرعي بأعداد كبيرة من الحيوانات في مساحات محدودة أو الرعي المستمر في نفس المكان مما لا يدع فرصة لتجدد الغطاء النباتي وتؤدي هذه الظاهرة الى تكاثر النباتات السامة والغير مستساغة والاحتطاب وقلع النباتات الليفية المعمرة من أجل الوقود والحرث العشوائي، الذي انتقل من السهول والضايات والمسطحات إلى سفوح الجبال والمناطق الوعرة بحيث لم يستثني المحراث القرصي أي منطقة.

وعوامل أخرى كالتكديس والدعس نتيجة انتشار السيارات والمكننة وشق الطرق العشوائي واضطراب عالم الريف نتيجة البرامج الفوضوية الغير مدروسة العواقب، وتغير مواطن الرعي التاريخية دون إيجاد البدائل لها، كل هذه العوامل مشتركة أدت إلى تدهور مساحات شاسعة  من أراضي السهوب والى اختفاء مساحات كبيرة من الغابات التي كانت تميز كل مرتفعات المناطق السهبية.

ولعل أحد العوامل التي ساهمت في تقلص المساحات الغابية والذي ظل بعيدا عن أعين المختصين نظرا لتقلصه في الوقت الحاضر والذي نراه من أهم العوامل التي أتت على شكل من أشكال تدهور الغابات التي تمثل أحراج العرعار (Matorral de Genévrier) حيث ينتج على تدهور الغابة العادية، شكل من أشكال الغطاء النباتي و الذي يميزه نبات العرعار (Genévrier de Phénicie) الاسم العلمي (juniperus phoenicea) وهذا الشكل حلقة من حلقات تدهور النظام البيئي الغابي.

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

نموذج جميل من أحراج العرعار في سفح جبل القعدة (بلدية حد السحاري). تصوير: شويحة حكيم 2016.10.07

ويعود سبب اختفاء مساحات شاسعة من أحراج العرعار (Matorral a Genévrier) الى حرفة كانت منتشرة جدا وذات أهمية بالغة بالنسبة لمربي الأنعام وفي مجالات أخرى من الحياة، وهي صناعة القطران (Huile de cade) بواسطة الخابية.

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

خابية كبيرة (فرن صناعة القطران). تصوير: شويحة حكيم 2014.02.14

والخابية في اللغة العربية هي إناء كبير من الفخار كان يخزن فيه الماء أو الزيت أو غير ذلك من الأغذية وهو ما يعادله باللهجة المحلية الزير أو الجرة الكبيرة.

والخابية لا شك أنها من فعل خبأ بمعنى وضع الشيء بعيدا عن الأنظار ولعل تسمية فرن القطران بهذا الاسم لكونه يبنى في شكل جرة ضخمة تشبه شكل الخابية.

وهي فرن (four a goudron) توضع فيه أغصان وأخشاب النباتات الصمغية خاصة نبات العرعر أو نبات الطاقة (Juniperus Oxycedrus) وتشعل النار فيه مع سد منافذ التهوية إلى الحد الأدنى مما ينتج عنه احتراق غير تام وارتفاع درجة الحرارة التي تؤدي إلى تعرق الخشب الذي يفرز مادة القطران (Huile de Cade) (katran) التي تنساب في مجرى مائل لتتجمع في حوض صغير يغرف منه لملء قارورات القطران.

وهو مادة سائلة لزجة ولها رائحة نفاذة ويتميز هذا السائل بمقاومته للميكروبات ويستخرج بالتقطير الجاف أو التقطير الإتلافي أو كربنة الأخشاب أي بحرقها بمعزل عن الهواء وتوجد منه أنواع بحسب نوع الأشجار المستعملة.

صناعة القطران معروفة منذ القديم حتى أن الرحالة حسن الوزان (ليون الافريقي) ذكر طريقة تحضيره في القرن السادس عشر في مؤلفه المشهور وصف إفريقية. وهي طريقة لم تتغير تقريبا منذ عهود، فقد كان القطران الى وقت قريب واسع الاستعمال ومادة أساسية ضمن المواد المتداولة آنذاك في الأسواق.

كان تجار القطران في كل الأسواق الأسبوعية يعرضون مادتهم التي كانت من المواد الأساسية لمعالجة الحيوانات من الجرب الذي كان متفشيا وبعض الأمراض الجلدية الأخرى وكذا توضيب أواني شرب الماء لجعلها عازلة وإعطاء ذوق خاص في الماء وفي معالجة القرب (les Outres) وفي زيادة سواد حبر الكتابة الذي كان يُحضر بحرق الصوف المتسخ (الوذح) وفي أمور أخرى.

إلا أن المدنية المتسارعة قضت على هذه الحرفة التي لم يبقَ منها إلا بعض الأفراد الذين ما زالوا يحترفونها وهم عادة من سكان الجبال وسفوحها، والملفت للإنتباه عدم وجود أي توبونيم بالمنطقة يحمل لفظ خابية إلا في أقصى جنوب بلدية أم العظام أين يوجد مكان يدعى “خابية بهيم” ولعل عادة هدم الفرن بعد الانتهاء من العمل أو القضاء على مورد الاخشاب في نواحي الفرن وراء عدم بقائه في ذاكرة الأفراد.

إن الملاحظة الميدانية للعديد من المناطق الجبلية الخالية من الأشجار تقريبا تؤكد انتشار أفران الخابية التي لم يبق منها إلا بعض الآثار والشواهد، تشهد على زمن ازدهرت فيه هذه الحرفة الى درجة تسببت في تعرية العديد من السلاسل الجبلية، و لعل جبل الزرڨة في كثير من أجزائه (الدوم، بيت صالح، بومديونة، الدلاج، الكبيبة، البيضاء، عطف البقر) يكاد يكون خاليا تقريبا من أي عرعار إلا أن شهادات كبار السن ممن أقاموا بالمنطقة تشهد على وجود العرعار في وقت قريب وما زال بعض الرعاة الى اليوم يقتلعون بقايا الجذوع المتبقية من العرعار الذي اختفى منذ خمسين عاما وتشهد بقايا أفران القطران المنتشرة في سفوحه على انتشار هذه الحرفة واختفائها مع اختفاء الغطاء النباتي.

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

صورة تمثل أخر نماذج العرعار (شرق جبل العذامية، حاسي العش) تصوير: شويحة حكيم 2015.09.19

أعتقد أنه ومن خلال المعاينة الميدانية للكثير من المواقع والإنتشار الكبير لبقايا أفران القطران أن هذه الأخيرة ساهمت الى حد كبير في اختفاء أحراج العرعار (Matorral a Genévrier) في كثير من الجبال العارية الآن من أي غطاء نباتي غابي.

أما في وقتنا الحالي فالخابية (Four a Goudron) حرفة لم تعد تهدد الغطاء النباتي نتيجة انحصارها وانقراضها في كثير من مناطق الوطن وهي الآن تصارع المدنية المتسارعة والمواد المنتجة صناعيا وأن بقاءها الآن يعد من باب الحفاظ على مهارة من المهارات التي تدخل ضمن التراث وذلك في إطار التنمية المستدامة دون التأثير على الوسط وذلك بالاستغلال العقلاني للموارد وإعطاء الفرصة للنباتات للتجدد وبعث الغراسة الرعوية والغابية من أجل استعادة بعض المساحات الغابية او الحفاظ على ما تبقى منها للأجيال القادمة.

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

صورة بقايا خابية لعالم الآثار غابريال كامبس في خمسينات القرن الماضي بمنطقة الدوم (دلدول)

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

الخابية التي صورت من طرف العالم “غابريال كامبس” تصوير: شويحة حكيم: 2013.05.24

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

        بقايا خابية قديمة في منطقة مقطع الصفا جبل تافارة (بلدية زكار) 2020.05.22

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

        خابية بجبل الخيذر (بلدية بويرة الأحداب) تصوير: شويحة حكيم 2018.03.03

بقايا خابية قديمة بجبل الدوم (الدلدول) 2020.06.20

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

                               جبل تافارة تصوير: شويحة حكيم 2019.01.03

الباحث شويحة حكيم، الخابية وصناعة القطران

بعض نتائج الإستغلال المفرط للغابة منطقة القنوير (بلدية المليليحة) تصوير:شويحة حكيم 2010.09.15

 

 150 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *