أسطورة “ڤرّة المعزة” …تعاقب للزمان وتَجَلّ لحدس الإنسان

عيسى خبيزي

بين التذكر والنسيان، تتبادر إلى أذهان الفلاحين هذه الأيام مناسبات تعلقت بالمعتقد البسيط الذي سايرته الأجيال على مر التاريخ، معتقدات جسدت الحياة العامة ببساطتها إبان فترة من المظهر والواقع والتاريخ وظلت عالقة بالعنصر البشري في بيئته وتنبؤاته رغم التطور العلمي الحاصل في مجالات الحياة.وهو مجال أكثر مايكون بالحيوي إذا ما تعلق بالطبيعة والأرض وشكل فسيفساء اسمها علاقة الوجود بالموجود ومدى التأثير الحاصل بينهما… إنهما الإنسان والطبيعة …المحاكاة و الفجاءة… التنبؤ والتحدي…ثم ركون الطبيعة في الأخير الى حيث انتهى التنبؤ، لتبدأ الحضارة الحقيقية من كوخ الفلاح في جذوتها الأولى تحلق في فضاء التسميات المتعددة لأيام السنة ولتعاقب الفصول وما بينهما من تناسق وتحضر.

انها” قرة المعزة ” تحضر-تصدق-في عز شتاء بارد اتسم بالقساوة تارة وبالرفق تارة أخرى ..وأنا أجالس أحد الفلاحين في وصفه لـ “ڤرّة المعزة” تجلى التفاؤل على محيّاه وهمّ بسرد تراجيدي حصل بين عنصرين في الوجود: إنهما “العنزة” بحيوانيّتها الأليفة وشهر “الناير” -جانفي- بسطوته الطبيعية، أين سخرت العنزة منه في آخر أيامه أقصد في اليوم الواحد والثلاثين ورددت طربا “ياالناير بوعباير ما عندك مادرت”. وأخذت تتراقص وتردد ذلك لأنها أحست أن الشتاء انقضى لكن حدث مالم يكن في الحسبان إذ خاطبها بالقول “يا المعزة ياو جه النار، نسلفلك ليلة ونهار من فورار، نديرلك قرونك في النار”… انه تحدّ صارخ تتجلى فيه العلاقة الحقيقية بين الكائنات على اختلاف كينونتها، وان اتسمت الحكاية بروح الدعابة الحوارية الصادقة إلا أنها في الواقع من نسج الخيال المتفرغ حينذاك للرصد والحضور.

و يواصل جليسي قائلا “هذا اليوم -ڤرّةالمعزة- حدده الأوائل -الكبار على حد قوله- بتاريخ الثالث عشر من شهر فيفري. أي أن اليوم والليلة اللذين سيعيرهما شهر “الناير” للعنزة من شهر فورار سيكونان ليلة الثالث عشر واليوم الموالي له ” ليلة 12 فيفري -الليل- ويوم 13 فيفري – النهار-“. ليعاوده التفاؤل مرة أخرى فيقول “ڤرّة المعزة أولها نار وآخرها نوار” بمعنى نحسب لها ألف حساب و نعدّ لها العدة من مأكل ومشرب وكل ماله علاقة بالتدفئة وحياة البراري.

الحديث عن “ڤرّة المعزة” يقودنا إلى التسمية، فكلمة “ڤرّة” بالمصطلح العامي المتداول تعني الأيام شديدة البرودة التي يتخللها هطول الأمطار وتساقط البرد والثلوج وانتشار الصقيع…هاته العوامل الطبيعية لها علاقة مباشرة بالإنسان والحيوان. فالإنسان يحاول تطويع الظروف المناخية بإمكانياته المتوفرة والمتاحة له، في حين تتسبب مثل هكذا “ڤرّة” -عوامل طبيعية- في نفور بعض الحيوانات كحيوان الماعز الذي لا يقاوم شدة البرد.

وإسقاطا على واقعنا هذه الأيام فقد تجلت العوامل الطبيعية المذكورة سلفا من أمطار وثلوج وصدق الأولون في ثقافتهم البسيطة وتحولت تلك الأسطورة إلى موروث اجتماعي تتداوله الأجيال كبطاقة هوية تمنح الإنسان درجة الامتياز التي أعطاه الله إياها كي يذلل بها كل عقبة في طريقه، مستخدما الأسطورة وأسلوب القصص ثم العلم والتنبؤ -الحدس- ولكن دائما بإرادة إلهية.

جليسي يعاودني الحديث وكله أمل بسنة فلاحية تكون خيرا على الجميع ورحنا نتجاذب أطراف الكلام حول الموقد المشتعل …

الكاتب: عيسى خبيزي

المصدر: الجلفة إنفو

 63 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *